تشكل الجغرافيا المحور الرئيس لرسم معالم الأمن القومي لأية دولة، كما يشكل التاريخ خزان وقوة دافعة للحفاظ على هذا الأمن القومي، والمتأمل في جغرافيا الشام يجد أنها تشكل لوحة رسمت عليها كل أنواع الصراعات منذ التاريخ القديم، ولم تفصل محطات التاريخ عن بعضها إلى اليوم؛ إذ تشكل سوريا، وتسارع وتيرة الأحداث فيها رقعة شطرنج تستحق من كل باحث تسليط الضوء عليها.

ربما تسارع الأحداث في الملف السوري مرتبط أساسًا بتبدل مواقف الأطراف الفاعلة في الأزمة سواء كانت دولًا أو جماعات، وهنا أتحدث عن دخول تركيا الطرف الإقليمي الأكثر فاعلية في الأزمة رسميًا، وانخراطها في الصراع بشكل رسمي، فبعد الدور الذي لعبته المدفعية التركية من قصف لبعض المواقع التي يسيطر عليها «تنظيم الدولة الإسلامية»، وفي العديد من المرات تحت مبرر الرد على مصادر النيران، اليوم نتحدث عن مشاركة لقوات برية، وبعض الآليات مع فصائل الجيش الحر المنضوية تحت ما سمي «بدرع الفرات» في تطهير مدينة «جرابلس» من تنظيم الدولة الإسلامية من أجل حماية «الأمن القومي»، والملاحظ في هذه العملية أن طائرات «إف 16» F16 التركية شاركت في قصف أهداف التنظيم في جرابلس، وهو ما لم يتحقق لتركيا منذ حادثة إسقاط الطائرة الروسية، إلا أن الأمر لم يقتصر على ذلك في رقعة الشطرنج السورية، بل في التحول في مواقف بعض الأطراف.

إذ ـ وبعد الزيارة التي قادت «أردوغان» إلى موسكو، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا ـ تبدلت المواقف، وحتى التكتيكات على الأرض في ممارسة ما يمكن تسميته بالأجندات الأمنية، فالتدخل التركي في سوريا بصورة مباشرة، كان لأجل ما سماه رئيس الوزراء التركي «بن علي يلدرم» بمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية الذي ما فتئ يقصف الأراضي التركية انطلاقًا من المناطق التي يسيطر عليها بالقرب من الحدود، ومنع وقوع هذه المناطق الحدودية بيد الإرهابيين ــ كما قال ــ وهو يقصد وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبرها تركيا تنظيم إرهابي، وهو الأمر الذي سيمنع تقسيم سوريا والحفاظ على وحدة أراضيها بحسب الساسة الأتراك، والمتأمل في الخارطة «الجيوبولتيكية» نجد أن تركيا تدخلت سريعًا في جرابلس؛ كونها تقع بين مدينة العرب «كوباني» شرقًا، و«عفرين» غربًا، وهما المدينتان اللتان تسيطران عليهما وحدات حماية الشعب الكردية، فتركيا تدخلت في جرابلس لمنع إقامة هذا الجسر الاستراتيجي بين المنطقتين، وهو الأمر الذي يمهد بشكل كبير لإعلان دويلة كردية في الشمال السوري.

هذا التدخل التركي دفع بحركة ما يعرف بسوريا الديمقراطية الانسحاب من «منبج» شرقًا (شرق نهر الفرات)، وهو الأمر الذي أكده «جون بايدن» نائب الرئيس الأمريكي الذي هدد بسحب الغطاء على وحدات حماية الشعب الكردية، إن لم تنسحب شرق الفرات وانسحاب تنظيم الدولة من جرابلس سريعًا، يعبر عن معادلة جديدة في رقعة الشطرنج السورية.

بالأمس القريب كانت الولايات المتحدة تضمن التغطية الجوية لحركة سوريا الديمقراطية في قتالها ضد تنظيم الدولة في منبج، واليوم تسحب غطاءها الجوي لتضمنه للقوات التركية وقوات الجيش الحر في جرابلس، في نفس الوقت روسيا تجري وساطة بين النظام السوري وحركة سوريا الديمقراطية (الكردية) في الحسكة، وتتحفظ على دخول القوات التركية إلى الأراضي السورية، هذا يدفعنا للحديث عن مضمون زيارة رجب طيب أردوغان لروسيا، بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، إذ وقعت تفاهمات بينية ربما وجدت في الأرض السورية أرضًا خصبة لتنفيذها، فتركيا سعت من خلال هذه الزيارة إلى التقليل من الأعداء الخارجيين بعد المحاولة الانقلابية، وضمان فسحة سياسية لضمان أمنها، وروسيا تحاول اختبار «صدقية النوايا» التركية، من تسوية الملف السوري من جهة، وتحقيق مكاسب اقتصادية من جهة ثانية، ويمكن القول أن تركيا من الناحية العسكرية سعت من خلال هذا التدخل إلى إعادة الاعتبار لمؤسسة عسكرية مهزوزة داخليًا، بعد فصل العديد من الضباط بعد الانقلاب الفاشل، وهو الأمر الذي يرجحه التدخل السريع لقواتها، وكسب الرهان العسكري، دون خسائر تذكر، وهو ما يعد نقطة إيجابية في أي عمل عسكري.

فتسارع الأحداث ربما سيكون كفيلًا بكشف العديد من النقاط الغامضة في السياسات الأمنية للعديد من الأطراف الفاعلة في رقعة الشطرنج السورية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشطرنج
عرض التعليقات
تحميل المزيد