صورة صادمة تلقفتها وسائل الإعلام للطفل السوري الذي لفظه البحر بعد أن تشبعت أضلاعه منه. الطفل الذي يبدو أنه لم يتجاوز عامه الثالث لم يجد من يخط له مستقبله إلا أب وأم ركبا قارب الأمل، ثم بحر متلاطم الأمواج فرقهم وأغرق الأمل.

 

الوالدان تلاطمت بهما أمواج الحياة وأهلكتهم صبرًا وفقرًا ومذلة، فقرروا اجتياز آخر الأمواج لعلها توصلهم نحو أوروبا التي تحتضن الإنسانية.

 

“أوروبا” حلم جميع اللاجيئن من العرب وملاذهم الآمن، أوروبا التي تحترم حقوق الإنسان، وتنظم الحياة، هي نموذج مثالي، هي دولة “أفلاطون”، هي من يتغنى بها شعراء العرب وأدباؤهم، هي الجواز، هي الجنسية، هي الإقامة، هي من تفتح فمك فيها معبرًا عما تريد.

 

هذه هي أوروبا بدولها الثماني والعشرين والتي تستطيع أن تتنقل بينها بمجرد أن تحصل على وثيقة من إحداها، في حين أصبح العراقي اللاجئ لا يستطيع أن يدخل عاصمته إلا بكفيل، ولا يستطيع السوري المحاصر أن يخرج من بيته ليحصل على العيش.

 

دعونا لا نكثر الغناء بأوروبا ودول الشمال والغرب، ونترك “إنسانيتهم” الخلاقة، ونعود لنسأل:

 

من قتل الطفل السوري الغريق؟!

أول المتهمين وربما أضعفهم هم والداه، الذين ضاقت بهم الحياة حتى جازفوا بركوب البحر وهم يعلمون أن الأمر لا يخلو من خطر محقق لكنه الأمل والحب لمستقبل هذا المسكين.. ومن الحب ما قتل.

 

فكرت كثيرًا لعلّي أصل إلى متهم رئيسي، لكني لم أستطع أن أرجح قاتلًا على آخر، فمن خطر ببالي كلهم “مجرمون قاتلون مغتصبون” بكل ما تحمل الكلمات من معنى.

 

وهل يمكن للعقل أن يحكم أن الأسد مثلا أكثر إجرامًا من جيشه، أم إيران تفوق مليشياتها ظلمًا، أم داعش التي لا تختلف عنهم إلا بالاسم والشعارات، أما أمريكا وحليفتها أوروبا التي سمحت بكل هذا الإجرام وهذه الفوضى.

 

ربما يوجد متهمون آخرون يشاركون في قتل الطفل الغريق، فمن يدافع عن هؤلاء مثلا ومن ينطق باسمهم من شعوبنا المقهورة التي ترى النتائج ولا تفكر بأسبابها.

 

أم دول عربية أخرى ملئية بالمساحة والبترول والغنى، والمفارقة أن بعضها ينقصها حتى العدد الكافي لمواطنيها ليشكلوا دولة، ومع هذا تغمض عينيها وتصم قلبها عن ملايين من أمثال هذا الطفل وذويه.

 

الأرقام تحكمنا

في أحيان كثيرة لا تكتمل الصورة حتى نتحدث بلغة الأرقام ودلالاتها، ولو تحدثنا عن أرقام اللجوء واللاجئين لوجدنا ألمًا آخر، إذ إننا نتحدث عن معاناة وقصص تشيب لها الوالدان ولكن نختصرها بالأرقام، ومع هذا لا بد للأرقام أن تقول كلمتها رغم ما للكلمة من قسوة.

 

استقبلت تركيا، وحسب الإحصائيات الرسمية وغير الرسمية؛ ما بين 2 إلى 4 ملايين لاجئ، الأردن ضمت ما يصل إلى 1.4 مليون لاجئ، لبنان البلد الصغير وصل من لجأ إليه إلى المليون إنسان، العراق ومصر ودول أخرى متفرقة ضمت ما يقرب من نصف مليون لاجئ.

 

في حين استقبلت أوروبا وهي القارة “الإنسانية” 350 ألف لاجئ سوري فقط، ولو قسمنا هذا الرقم على عدد الدول الأوروبية لكانت حصة الواحدة منها لا تتجاوز 12 إلى 13 ألف لاجئ.

 

أوروبا “الإنسانية الانتقائية”

وهنا نتساءل عن تباكي بعض العرب وتسابقهم لهذه القارة “العجوز”، أليست هذه “الشمطاء” تمارس علينا “إنسانية انتقائية” تتسبب بمقتلنا أولا ثم تتفضل على البعض بما تأخذه ابتداءً من دمائنا قبل خيراتنا.

 

الإنسانية الأوروبية التي تغنَّيْنا بها في بداية كلامنا ما هي إلا إنسانية “انتقائية” وليست إنسانية عادلة، وهنا المشكلة أن ننظر بعين الرضى لنتائج أوصلونا إليها ونغفل أسباب وصولنا لهذه النتائج.

 

هذه الإنسانية التي تحكم بالأنظمة والقوانين أصبحت “إنسانية انتقائية” وبالنتيجة تظهر هذه الإنسانية بشكلها الجلي عندما يموت الطفل على شواطئ أوروبا غرقًا، وتختفي هذه الإنسانية عندما يموت نفس هذا الطفل ببرميل متفجر يفحمه مع ذويه.

 

من بداية الثورة السورية وأوروبا تتخذ المواقف الهزيلة في دعم الشعب السوري أو مقاومته، وفي غالب مواقفها تكون ذليلة مواقف الولايات المتحدة الأمريكية.

 

أين إنسانية أوروبا وهي تساهم ببقاء بشار ‏الأسد الذي يقتل السوريين بالبراميل المتفجرة، والذي كان السبب في تهجير وغرق الطفل والآلاف مثله!

 

أخيرًا، أن نضجَّ بحقوق الإنسان لمشهد طفل غريق، ثم ندافع ونتغنى بأوروبا التي “تفتقد الإنسانية” عندما يموت آلاف الأطفال والضحايا جوعًا أو إرهابًا أو تفجيرًا ببراميل الموت والحقد والكره، فالأمر بحاجة للمراجعة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد