«شكلهم مش من البلد دول»، ثم اتبعت تلك الجملة بصوتٍ خافتٍ لنقاشٍ يدور بين امرأتين لا يتبين تفاصيله إلا مدققٌ يجلس بالجوار، ثم عاد نفس الصوت بجملة جهورية «انتو من البلد يابنتى انتى وهو؟»

أصابت الجملتان السابقتان مسمعى بينما كنت أجلس في حجرتى التي تطل على أحد الشوارع العامرة بالأصوات المختلفة فى بلدتنا، أطفال يلعبون، ورجال يتحدثون أثناء مرورهم، وأصوات أخرى خافتة تجتمع لتُكوٌّن صوتًا لا تستطيع أن تميزه، لكن تلحظ أثر غيابه فى حالة انقطاع التيار الكهربائى، لكن المختلف فى تلكما الجملتين عن غيرهما أنهما صدرتا من فم جارتنا مسعودة التي تجلس أمام مدخل بيتها طوال اليوم مع ابنتها لترصدا بعينيهما كل ما يدور في الشارع، تستطيع أن تقول إنهما يعملان كمخابراتٍ سرية في شارعنا، فلا يكاد يمر عليهما شئ إلا وعرفتا تفاصيله كلها.

فتحت نافذة غرفتى لأتبين ما رأته فجعلها تتلفظ بهاتين الجملتين في اندهاش، فإذ بي أجد طفلًا في الخامسة من عمره متشبثًا بثوب أخته التى يبدو عليها أكملت العقد الأول من عمرها، يجلسان على جانب من الطريق في انكماشٍ كما لو كانا فى مشهد تصويرى يجسد مقتل الطفل الفلسطينى محمد الدرة _ رحمه الله _ فبالرغم من صغر سن تلك الفتاة، لكن يكفيك أن تنظر إلى التصاق أخيها بها لتتبين أنها له الأب والأم والأخ وكل شيء.

يكفيك أن تنظر إلى عيونهما لترى ما فيهما من كل معانى الأسى والحزن، يرسلان بنظراتهما رسالة لذاك العالم القبيح الذي تجرد من كل معاني الإنسانية والرحمة بأنهما بريئان من ذنوب اقترفها غيرهم ليُحرَما من حقوق العطف كغيرهم من الأطفال.

هما فقط أطفال بأعمارهما، لكن همومهما كالجبال لا يتحملها رجل عتيد، بل إن هيأتهما لا تسمح لأي عاقل يراهما فيطلق عليهما لفظة أطفال، ملابس بالية، وجوه شاحبة، عيون شاردة كالهائم لا يعرف هويته، أجساد واهنة، وإن صح القول، فهى ليست أجسادًا، بل هي عظام صغيرة مطلية بالجلد يغطيها طبقة من التراب، ينظرون إلىّ في صمت عميق، نظراتهما وحدها كفيلة أن تبعث في شعور الذنب والحسرة كما لو كنت أبًا لا يعترى جنبات قلبه القليل من الحنان، قسى على طفليه فى مساء شتاءٍ قارسٍ وطردهما من البيت.

خرجتُ من بيتى ودنوت إليهما لأعرف ما قصتهما، سألت الفتاة «انتى منين ياماما؟» فكان لردها وقع الصاعقة، إجابتها كانت كلمتين مجملتين يفصلها الكثير من معانى الخزى والعار لتصفنى أنا ومعشر الكثير من المسلمين، أجابت «من سوريا»، إذن هما من تلك البلاد التى أصبح ضحاياها فوق النصف مليون قتيل حتى الآن، وأكثر من 7 ملايين مشرد في شتى بلاد الأرض، من بينهما طفلان نقلتهما الأقدار أمام نافذة حجرتي، لا يبكيان على فراق أبٍ أو أمٍ، لا يشتكيان، لا يصرخان، فقط في صمت عارم.

طلبت منهما أن يدخلا إلى بيتي فرفضا، أحضرت إليهما ما استطعت من طعام، ولكن كان لهما نصيب كبير من الخجل وعزة النفس، رفضا أن يأكلا إلا بعد إلحاحٍ كبير، حتى إذا فرغا من طعامهما وشربا القليل من الماء؛ صمما على الرحيل. يرفضان أية مساعدة، لا يدخلان أي بيت، يتحركان ببطء كالسلحفاة، العيون كلها تترصدهما، يذهبان إلى حيث تأخذهما أقدامهما، لايعلمان هويتهما، ومازالا صامتين، لا يشتكيان، لا يصرخان، يذهبان إلى حياة لا يعلم مصيرها إلا الله.

أراقب حركتهما صامتًا مثليهما، لا أعلم بأى ذنبٍ تقتل أحلامهما، لا أعلم ما عساى أن أفعل لو كنت مثلهما، لا أعلم ماذا سنقول أمام الله عندما يسألنا عن هذين الطفلين والمشردين أمثالهما من أبناء المسلمين، ما أعلمه فقط هو أننا مجرد أشباه رجال ومازال بيننا أطفال كهذين. طفلان أرادا الحياة فى أمّةٍ حياتها موت. طبتم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

حلب, سوريا, صدفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد