يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: عندما يبدو لك تحقيق الهدف محالًا، لا تغيره، بل غير طريقة عملك لتحقيقه، ربما تلخص هذه الحكمة الصينية المخاض العسير الذي أسفر عن ولادة الضربة العسكرية الأخيرة ضد النظام السوري بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبالتعاون مع بريطانيا وفرنسا، انتظرها العالم في البداية ضربة قاسمة تغير منحنى الصراع، لكن في النهاية جاءت عملية سطحية غير موجعة بالنسبة للنظام السوري وحلفائه، فهل تأكدت الإدارة الأمريكية من استحالة تحقيق أهدافها بالطرق العسكرية، وبالتالي قررت تغيير طريقة عملها بتبني استراتيجية جديدة في تسيير الأزمة السورية؟ أم أن مستوى هذه الضربة يعكس حالة الانسحاب الأمريكي من المأزق السوري؟

مواجهة إعلامية ودعائية تنذر بتصادم وشيك

المؤكد أن العالم في الأيام القليلة الماضية عاش حرب نفسية كبيرة، عنوانها الأبرز الخطوط الحمراء أعادت إلى المشهد حلقات من مسلسل الحرب الباردة، كادت أن تتحول مشاهده الى معارك ساخنة، خاصة بعد التغريدة المستفزة التي نشرها الرئيس الأمريكي ترمب على حسابه بموقع تويتر، أين وضع روسيا مباشرة أمام تحدي الرد على الصواريخ الأمريكية الذكية واللطيفة القادمة نحو سوريا، وهذا بعد ترجيح الطرف الأمريكي لفرضية تورط النظام السوري في الهجوم الكيماوي على دوما بغوطة دمشق؛ ما يعني تخطي الخط الأحمر الذي رسمته الإدارة الأمريكية في سوريا.

وروسيا بدورها وعدت برد جدي على أي ضربات خارج نطاق الشرعية الدولية ضد سوريا، وحددت هي أيضًا مصالحها وقواعدها العسكرية كخطوط حمراء استهدافها سيقابل برد حازم. هذا التباين في المواقف وحرب التصريحات وضع العالم مرة أخرى أمام خطر تصادم أكبر قوتين نوويتين في العالم.

وأخيرًا ضربة.. وأي ضربة؟

بعد شد وجذب دام لعدة أيام جاءت الضربة الأمريكية مع حلفائها بريطانيا وفرنسا على طريقة (تمخض جبل فولد فأرًا)، فلم تكن الضربة العسكرية بمستوى الهالة الإعلامية التي سبقتها، ولم تتسبب في خسائر فعلية للجيش السوري كما لم تأثر على مسار الأزمة، بل يمكن اعتبارها أكسبت النظام ثقة أكبر في إمكانية حسم الوضع المتأزم عسكريا لصالحه.

فهل هذا الضعف الظاهر في تعامل الولايات المتحدة ومعها حلفائها مع الأزمة يعود إلى أخذ هذه الأخيرة التحذيرات الروسية محمل الجد ما يعني اختلال في ميزان القوى العالمية وإيذان بانتهاء هيمنة القطب الواحد في صناعة القرار العالمي؟ أم نحن أمام جيل جديد من الحروب، حروب بصواريخ ذكية ولطيفة تصبح فيها الدعاية الحربية أهم من العمليات القتالية نفسها؟

الأمر المحير في هذه الضربة يكمن في افتقادها لعامل المفاجأة، وهو من وجهة نظر عسكرية العامل الأساسي لنجاح مثل هكذا عمليات، فإذا كان الهدف الحقيقي من ورائها إلحاق أضرار بالخصم؛ فوجب توجيهها على الفور، وليس بعد أن أعطيت مهلة كافية للأسد وحلفائه من أجل إخلاء جميع الأماكن الحساسة منها المطارات ومقرات عسكرية مهمة، والتي من المفترض استهدافها، في هذا السياق أيضًا تساءل الكاتب الروسي غينادي بيتروف في مقال له بجريدة إكسبرت أونلاين عن سر تلك المشاورات التي قامت بها الولايات المتحدة مع حلفائها بريطانيا وفرنسا كما لو أنها لا تمتلك القوة اللازمة للقيام بالضربة العسكرية.

هذا الأخذ والعطاء بين الحلفاء وداخل الإدارة الأمريكية نفسها يعود أساسًا إلى اختلاف الرُؤى بين مختلف دوائر صناعة القرار بها، وهذا ربما السبب الرئيس لمحدودية الضربة العسكرية، والأكيد هو افتقاد هذه العملية لأهداف عسكرية حقيقية وما رأيناه يظهر الفجوة بين السياسات العلنية وغير المعلنة.

ما بعد الضربة.. حان وقت الدفع

مباشرة بعد انتهاء هذه الضربة السريعة، خرج الرئيس ترمب ليعلن عن انتهائها وتحقيقها للنتائج المرجوة عبر تغريدة أخرى لا تقل إثارة عن سابقاتها: ضربة تم تنفيذها بشكل رائع، ولا يمكن أن تكون هناك نتيجة أفضل، المهمة تمت بنجاح.

من الواضح أن المهمة التي تحدث عن انتهائها هي الجزء الأمريكي من الصفقة، معلنًا بذلك بداية الشطر الثاني من الحرب وتزامن ذلك مع تصريحه بقرب سحب الوحدات الأمريكية المتواجدة في سوريا، وهو ما يتناقض مع التصعيد الذي شهدناه قبل وأثناء الضربة، فالرئيس ترمب أثبت مرة أخرى أنه رئيس بمرتبة رجل أعمال، يتعاطى مع السياسة بمنطق الدفع، فهو من خلال هذه الضربة، الذكية واللطيفة، سعى إلى تحقيق هدفين، الأول داخلي متعلق بالمشاكل الكثيرة التي تلاحقه محاولًا بذلك تشتيت الرأي العام الأمريكي عنها، وكذا كسب ودها بإثبات أنه الرئيس الذي يفي بوعوده فبهذه الضربة رد ولو رمزيًا على تجاوز مفترض للنظام السوري للخط الأحمر المسطر أمريكيًا، بمنعنى أدق ترمب همه الأكبر حماية رئاسته لا أكثر.

أما الهدف الثاني فهو اقتصادي أين بدأ بابتزاز دول الخليج العربي خاصة منها السعودية وربط مسألة بقاء القوات الأمريكية في سوريا بمدى جاهزيتها للدفع مرة أخرى. في النهاية، من المحتمل جدًا أن العالم حاليًا يعيش نوع جديد من الحروب، كانت هذه الضربة بدايتها، وهي مزيج من الحرب الباردة والهجينة، هي حرب باردة بحيث تمثل صراع بين القوى العالمية خارج حدودها الجغرافية على مصالح اقتصادية وجيوسياسية، وهي أيضًا جزء من حرب هجينة تستعمل فيها كل وسائل الدعاية الحديثة والحرب النفسية والسيبرانية، حرب بصواريخ ذكية ولطيفة كما أرادها ترمب، فهي فعلًا ذكية نظرًا للأهداف الاستراتيجية المحتمل تحقيقها، وجاءت أيضًا لطيفة جدًا، فهي لم تؤذ النظام السوري في شيء، ولم تقطع شعرة معاوية مع الروس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد