في تطور خطير جاء عقب فشل المحادثات الأمريكية – الروسية بشأن الأزمة السورية، فقد حذرت وزارة الدفاع الروسية الولايات المتحدة من تبعات أي هجوم عسكري مُحتمل على النظام السوري، مُلمحة لاستخدام منظومة صواريخ «إس 300» و«إس 400» للرد على الهجوم الأمريكي المحتمل، تزامن الإعلان الروسي الأخير مع تصريحات أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد لقناة تلفزيونية دنماركية، أكد خلالها على مواصلة قواته القتال ضد المسلحين، في إشارة للحصار الذي تفرضه القوات السورية النظامية منذ نحو شهرين على الأحياء الشرقية في مدينة حلب، والتي حذر الوسيط الأممي دي ميستورا من أنها قد تتعرض للدمار التام خلال شهرين أو شهرين ونصف كحد أقصى، في حال استمر القصف الروسي – السوري المكثف عليها.

جاء التصعيد في الموقف الروسي عقب تزايد الانتقادات الموجهة لإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تعامله مع ملف الأزمة السورية، والذي يوصف من قبل بعض الجمهوريين «بالضعيف والمخزي»، في وقت زاد فيه الحديث عن احتمالية شن الولايات المتحدة هجومًا عسكريًا على قوات النظام السوري، فقد أكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر أن إدارة أوباما ستدرس خيارات للتعامل مع الملف السوري من بينها الخيار العسكري، بينما نقلت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية عن مسؤول عسكري قوله إن مجلس الأمن القومي الأمريكي سيناقش شن غارات على النظام السوري ولم يستبعد أن يوافق أوباما على تنفيذ ضربات عسكرية ضد نظام الأسد، وأضافت الصحيفة أن هناك مزاجًا سائدًا بين القادة الأمريكيين بمن فيهم العسكرين بضرورة توجيه ضربات عسكرية لتدمير المطارات التي يسيطر عليها النظام السوري، كما اعتبر المتحدث باسم البيت الأبيض، جوشن إيرنست، أن روسيا لم تكن طرفًا جديرًا بالثقة طوال المباحثات الثنائية بشأن سوريا.

في سياق متصل، نقلت شبكة «روسيا اليوم الإخبارية» عن رئيس لجنة الشؤون الدولية التابعة لمجلس الاتحاد الروسي قوله: «إن المجلس سينظر في اتفاق نشر قوات روسية على أساس دائم في سوريا إذا صادق مجلس النواب عليه»، وخلال شهر أغسطس الماضي صرح الجيش الروسي أنه بدأ مناورات شرق البحر الأبيض المتوسط، بالقرب من سوريا، لاختبار قدرات الأسطول البحري في الرد على أوضاع الأزمات ذات الطابع «الإرهابي»، تزامن ذلك مع تصريحات روسية حول عزم موسكو توسيع قاعدة حميميم العسكرية وتحويلها إلى قاعدة جوية مجهزة بشكل متكامل، وتهيئة الظروف التي تتيح بقاء الجنود الروس فيها بشكل دائم.

على الرغم من أن التلميحات الأمريكية باستخدام القوة العسكرية ضد النظام السوري تؤخذ على محمل الشك في مصداقيتها، نظرًا لتراجع إدارة أوباما عن موقفها سابقـًا بشن هجوم عسكري ضد النظام السوري إزاء استخدامه للسلاح الكيماوي ضد المدنيين في الغوطة الشرقية خلال العام 2013، كذلك مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، التي لا تخلو هي الأخرى من الاستثمار السياسي في الأزمة السورية بإطلاق المواقف الدعائية من قبل المرشحين للرئاسة، لكن يبقى أمران رئيسيان في هذا السياق، أولهما يكشف عن وجود أزمة حقيقية داخل واشنطن تتعلق بطبيعة الخيارات وسياسات المواجهة التي يفترض أن تتخذها واشنطن ضد موسكو بشأن سوريا بدون أن تقود لحرب عسكرية مباشرة بين البلدين، خاصة وأن موسكو قد اعتبرت أن أي هجوم على النظام السوري يعد هجومًا ضد روسيا ويهدد حياة جنودها المتواجدين في سوريا، أما الأمر الآخر فهو يتعلق بطبيعة السياسة التي ستنتجها الإدارة الأمريكية القادمة حيال الأزمة السورية، فقد قلنا سابقـًا أن الاستثمار السياسي في الأزمة السورية من قبل مرشحي الرئاسة حاصل، وسياسة التسويق الانتخابي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وما يطلق من مواقف دعائية لا يعني بالضرورة ترجمتها حرفيًا عقب تسلم المرشح الفائز رئاسة البلاد، لكن يستحسن الإشارة لبعض تلك المواقف الدعائية لأنها تساهم في إيجاد تصور أولي مُحتمل عن مواقف الإدارة الأمريكية القادمة، فقد دعا المرشح الجمهوري لمنصب نائب الرئيس، مايك بنس، لاستخدام القوة العسكرية ضد النظام السوري، بينما استمر المرشح الجمهوري للرئاسة، دونالد ترامب، في إرسال إشارات مُبهمة نوعًا ما من أجل إيجاد نوع من التوازن في استثمار المواقف الدعائية خلال فترة الانتخابات من جهة، ويُسهل عليه التراجع عن بعض المواقف في حال فاز بالانتخابات من جهة أخرى، أما المرشحة الديمقراطية، هيلاري كلينتون، فقد دعت إلى تحرك أقوى واقترحت فرض منطقة حظر للطيران في سوريا، يتضح من تلك المواقف الانتخابية وما سبقها غياب للرؤية الكاملة بشأن التعامل مع السياسة الروسية في سوريا وما يتصل بها من ملفات أخرى مثل الأزمة الأوكرانية، يكمن التحدي الأكبر للإدارة الأمريكية القادمة في إيجاد إستراتيجية متكاملة لمواجهة السياسات الروسية، والتي من المحتمل أن تقود لمواجهة جديدة في شكل عودة للحرب الباردة على سبيل المثال.

يُقال إن نابليون قد قال يومًا إن معرفة جغرافية الدولة يعني معرفة سياستها الخارجية. تتميز روسيا بجغرافية شاسعة الحجم مترامية الأطراف واقعة بين قارتين رئيسيتين في العالم «آسيا – أوربا» جعلت منها دولة ذا طابع توسعي على مر التاريخ، روسيا «الآوراسية» لن تسمح بسهولة أن يأتي من يتوسع على حساب مصالحها من خارج نطاقها الجيوقاري، كالولايات المتحدة على سبيل المثال، طالما تكون قادرة على المواجهة وملء الفراغ بنفسها وإنشاء مجالها الحيوي الخاص.

قرار موسكو توسيع تواجدها العسكري في سوريا ووضع قوات دائمة لها هناك، يعني وقوفها عسكريًا على تخوم القواعد الأمريكية المنتشرة بالمنطقة العربية، كذلك يسهل على الروس مهمة إيجاد تحالفات جديدة داخل المنطقة، وذلك يبقى مرهونًا بمدى نجاح السياسة الروسية في سوريا من جهة، ومدى نجاح سياسة الإدارة الأمريكية القادمة أو فشلها بالتصدي للتوسع الروسي من جهة ثانية، على غرار السياسة الناعمة التي تنتهجها موسكو في أوربا بدعم القوى السياسية المتطرفة ونسجها للعلاقات مع جماعات اجتماعية أوربية خارج الأطر الرسمية بين الدول، بهدف تأليب المجتمعات الأوربية على حكوماتها الحليفة للولايات المتحدة وإنتاج سياسات أوربية مناهضة للسياسة الأمريكية في المستقبل، فمن المتوقع أن تنتهج روسيا سياسة ناعمة مُطورة مع المنطقة العربية تستهدف الدول الحليفة لواشنطن على وجه الخصوص، تستثمر موسكو في ذلك حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة بالأساس وتعمل على تعزيزها بهدف إيجاد مناخ سياسي واجتماعي مناسب لتسويق سياساتها في مواجهة النفوذ الأمريكي بالمنطقة لتحقيق أهداف توسعية، وقد يتعدى الأمر لدعم جماعات وعصابات مُسلحة مختلفة بهدف توسيع أزمة الفوضى الأمنية، وإنهاك الحكومات الحليفة للولايات المتحدة من أجل تهيئة الظروف المناسبة لإحداث تغييرات سياسية واسعة داخل البلدان العربية قد تطال أنظمة سياسية فيها، ذلك السيناريو سيدفع الولايات المتحدة على إنتاج سياسة ردع واسعة النطاق ضد روسيا في المنطقة العربية والعودة لأجواء الحرب الباردة، في ذلك السيناريو المشؤوم سيزداد استخدام موسكو وواشنطن للساحات العربية في إدارة «حروب هجينة» بالوكالة لتجنب الدخول في حرب عسكرية مباشرة بين البلدين، كما حصل خلال فترة الحرب الباردة الأولى، الأمر الذي يتطلب إيجاد كل منهما تحالفات واسعة داخل البلدان العربية «وسطاء الحرب بالوكالة» لإدارة الحرب الباردة الثانية.

غياب إستراتيجية عربية مشتركة واضحة وشاملة ينذر بخطر ماحق سيطال المنطقة العربية برمتها، بتحولها لساحة صراع دولي مفتوح لسنوات طويلة، تُستنزف خلالها المنطقة العربية وتُسلب سيادة الدول المستقرة منها على نطاق أوسع.

إعلان موسكو رسميًّا قرار توسيع قاعدتها الجوية في «حميميم» غربي سوريا لتكون مقرًا دائمًا لقواتها هناك قد يكون مقدمة لمحاولات انتشار روسية محدودة في مناطق أخرى بالمستقبل إذا تطلب الأمر ذلك وتوفرت إمكانية تحمل تكلفة الانتشار العسكري لروسيا، كذلك نشر المنظومات الصاروخية المتطورة، والذي أعقبه تهديد موسكو للولايات المتحدة علنًا بالرد العسكري يرجح الفرضية القائلة إن المنظومة الصاروخية الروسية التي أرسلت إلى سوريا كانت بهدف مواجهة الأميركيين وصواريخهم الكروز، السياق الجيوعسكري للأحداث الراهنة يرجح أكثر فرضية عودة الحرب الباردة، رغم إعلان مسؤولين روس عدم رغبة بلادهم في عودة أجواء الحرب الباردة مع الولايات المتحدة! لكننا نرى الواقع يسير في اتجاه الحرب الباردة أكثر من أي وقت مضى ونأمل ألا تتحول لحرب ساخنة! لأن الفاتورة لا يدفعها سوى العرب، وهي فاتورة باهظة للآن، دول مفككة ومدن مدمرة بالكامل، والملايين من اللاجئين ومئات الآلاف القتلى والمعاقين والحبل على الجرار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد