يُعد الفن النواة الأولى لتقدم المجتمع، وبناء الحضارة، وتشكيل الوعي الجمعي؛ فيُحكمُ على رُقي المجتمع وتقدمه بقدر ما فيه من مثقفين وكُتّاب وفنانين، فهذه الطبقة وجه المجتمع الجميل والمصدرة لثقافته، فلا تقتصرُ وظيفة الفنون على التسلية ولا الإشباع الجمالي، وإنما أيضًا تبرزُ ثقافة الشعوب وتحتفظُ بمورثها الحضاريّ، ولنا في الآداب العالمية مثالٌ عظيمٌ، لاسيما الأدب اليوناني.

السينما والمسرح والدراما من أهم الفنون وأكثرها انتشارًا، وأقدرها على التأثير في المتلقي؛ فنحن نفرح أو نبكي، إنْ قُدمت الفكرة بشكل فنيٍّ مقنع وممتع قادر على التأثير، وقد تحدث الفيلسوف اليوناني أرسطو في كتبه خاصة «فن الشعر» عن نظريّة التطهير، والتي تعني ببساطة انفعال المتلقي وتأثره من العرض التراجيدي، ولستُ في صدد الاستطراد في هذا الموضوع؛ فالمقام لا يتسع.
لأنني أحبُّ سوريَّا بكل ما فيها من جمال وتاريخ موغل في الحضارة؛ أتابعُ بشغف ما يُصدره مبدعوها في جميع مجالات الفن لاسيما الدراما، فالسّوريون أصحابُ الصدارة في هذا المجال منذ عهد أحمد خليل القباني (رائد المسرح العربي)، مرورًا بياسر العظمة، ودريد لحام، وغيرهم من عمالقة السينما والمسرح والدراما، تابعتُ المسلسلات السورية منذ وقت مبكر من عمري، سواء التاريخية، أو الاجتماعية، أو الكوميدية، وما يثير شغفي ويحرضني على الاهتمام بالمتابعة أمور عدة، أهمها: السيناريو (النص): تتميزُ المسلسلات السّوريّة بثقافة النص، لم أشاهد عملًا دراميًّا سوريًّا إلا وأفادني معرفيًّا، وهذا يرجع لثقافة المجتمع السوري؛ فالدراما محاكاة للمجتمع، وكذلك ثقافة كاتب النص، لاسميا أن عددًا كبيرًا من أعمال الدراما هي في الأصل نصوص روائية، مثل: فيلم بقايا صور، المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه، للروائي السوري الكبير حنا مينه، ومسلسل الندم، المأخوذ عن رواية عتبة الألم للروائي السوري (فلسطيني الأصل) حسن سامي يوسف، وكذلك مسلسل حين تشيخ الذئاب، مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للروائي الأردني (فلسطيني الأصل) جمال ناجي.. إلخ.

مسلسل «ترجمان الأشواق» نموذجٌ واضحٌ لثقافة الدراما السوريّة

من العنوان تظهرُ ثقافةُ المسلسل؛ فإنَّ «ترجمان الأشواق» ديوان شعر للشّاعر الصوفي محي الدين بن عربي، تدورُ أحداثُ المسلسل في دمشق إبان الأزمة السورية، أما العُقدة تتمحور حول جماعات مسلحة تخطفُ صبيّة وتطلبُ فدية. المسلسلُ يشبه إلى حدٍ ما أغلبَ المسلسلات التي تتحدثُ عن الأزمة السوريّة، حيثُ يسلطُ الضوء على معاناة المهاجرين، والبطالة، الاستغلال، تجارة الحروب، صراع الأجيال، ويتناولُ الكثير من الأمور الإنسانية التي يعاني منها المواطن السوري يوميًّا بمفهومٍ فنيّ ذكي، فأغلبُ الأعمال الدراميّة تتناولُ الحربَ من زاويةٍ إنسانيّةٍ بعيدًا عن تحويل المُسلسل لنشرةِ أخبار، وهذه ميزة.

يمتازُ المسلسلُ بثقافةِ السيناريو المُكثفة، فإنه يعرض حياة ثلاثة أصدقاء كانوا ينتمون إلى اليسار العربي
(المترجم نجيب، الدكتور زهير، كمال صاحب المكتبة)، وبعد أن عصفت بهم ظروفُ الحياة التقوا في دمشق، وقد اعتنقَ زهيرُ الفكر الصوفي، ونجيب الكاتبُ والمترجم تبعدُه الظروفُ السياسيّة عن البلاد، أما كمال يبقى محافظًا على فكره.
أهم ما أثرى المسلسل:
1- الحوار
جاء لصاحب المكتبة كمال (ممثل الدور الفنان فايز قزق) رجل كبير السن، يحملُ عدةَ كُتب يريدُ بيعها ليدبرَ شؤون حياته، دار نقاش بينهم انتهى بقول كمال: «اقرأ ليهبط البيت».
وأغلبُ الحوارات بين الأصدقاء الثلاثة يغلبُ عليها التبادل المعرفي والثقافي.
2- لمّح المسلسل إلى تراجع اليسار العربي، قد برز ذلك من حوارات الأصدقاء الثلاثة.
3- أشار إلى قضية صراع الأجيال التي ظهرت بين كمال وأبنائه.
4- عرض بعض مظاهر الفكر الصوفي؛ فقد كان د. زهير متصوفًا ويحضرُ مجالس الصوفين.

يقولُ الفنان السوري بسام كوسا – في لقاء مُتلفز مع الإعلامي أدونيس الخالد -: «لا يمكن الآن أن نصفَ حال الدراما ونطلب أن تكون في حال صحي ونحن في ظرف غير صحي،كل العالم يعرف ماذا يجري في سوريا، وبالتالي الدراما جزء من هذا المجتمع؛ فلا يمكن أن تنتعش إلا في حالات الاستقرار كما حصل سابقًا، الآن نحن لا نصنع دراما، نحن ندافع عن الحياة من خلال هذه المهنة».

ويتابع كوسا: «يجب الآن أن لا يُكتب عن الأزمة، والسبب هو أن كل الكتابة ستكون رد فعل.. والفن هو فعل وليس رد فعل، يحتاج إلى حالة من الصفاء الذهني والتأني والخروج من هذه الأزمة ومراقبتها بعين حكيمة، عندما قرأت (ضبوا الشناتي)، كان هناك ذكاء في تناول المشكلة، استطاع الأستاذ ممدوح حمادة التعامل مع هذه المشكلة الغاية في القسوة بطريقة فيها طرافة..».
الدراما السوريّة السباقة دائمًا إلى الجمال، استطاعت هزيمة الحرب والخراب بالإبداع المُتعالي. الفنُ كفعل إنساني يحتاجُ إلى هدوء ونقاء ومزاج، ولكن القسوة ولدت إبداعًا، واجه السوريون به الهجمة الشرسة الهمجية. أنا مع الأستاذ بسام في مسألة الكتابة وصناعة الدراما بعد انتهاء الأزمة؛ لتكتمل الصورة وتكون الأعمال أكثر تجردًا وإبداعًا، ولكن لا بد من مواجهة الشراسة بالحب، الموت بالحياة، إن كان هذا لا يؤثر في القيمة الفنية للعمل، وفي أغلب الأعمال الدرامية كانت الفنيات عالية وممتعة.

الدراما السّورية تخاطبُ أعماقَ النفسِ الإنسانية من خلال الحوارِ الممتع والمفيد في آنٍ، الذي يعطينا خلاصةَ الرسالة تمامًا بتأثيرٍ عظيم، وربما ما يجعلُ لها أثرًا كبيرًا تسليطُها الضوء بدقةٍ على تفاصيل الحياةِ اليوميّة للإنسان العادي، فهي تدركُ ماذا يريدُ المشاهد، رُغم الظروف القاسية التي يعيشُها السوريون فإنهم يزرعون الأملَ وسطَ الخرابِ الكبير؛ ليقولوا إننا شعبٌ يحبُ الحياة، جعلوا من الخرابِ والدمارِ مادةً دسمةً للفن والسينما تنقلُ للعالمِ الوجعَ السوري ومدى حبِّ هذا الشعب العظيم لوطنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد