كانت عملية الإنتاج الفني، فيما مضى، تبدأ بقيام مؤلف أو عدة مؤلفين، بكتابة عمل وتقديمه إلى شركة إنتاج تستثمرُه، وتُحولُه إلى صيغته النهائيّة، وتتولى الترويج له، ثمَّ تَبيعُهُ إلى المحطات التّي تعرضُه للجمهور.

أما اليوم، فقد تغيرت هذه العملية وأخذت مكانًا جديدًا في ورشاتٍ تجمعُ عدة أشخاص، تمّ وضع كُلًّ منهم على كرسيه لغرضٍ معين؛ أحدهم يمّلكُ شيئًا من الموهبة أو ربما يبرعُ في المُحاكاة، وآخر مُختص في التسويق وبحوزته قائمة من المنتجات التّي يجب إدراجها في العمل، ولضمان القيام بذلك بطريقة صحيحة، يجلسُ في الجهة المقابلة له، مُختص بدراسات الجمهور، وعلى يمينهم آخرٌ يحملُ سوطًا وآلة حاسبة يُراقبهم ويلجمُ بسوطِه محاولاتهم، إن لم تتفق تكلفتُها مع الأرقام التّي تظهرُها آلته الحاسبة وغيرهم.

يحاولُ أفراد هذه الورشة الإجابة عن السؤال كيف يمكننا كسب أكبر عدد ممكن من المشاهدين؟ وبذلك يصنعون عملًا يجذبُ فئاتٍ واسعة من الجمهور، بالاتّكال على عناصرٍ ثَبَت نجاحها في أعمالٍ سابقة، مما يمكن مُلاحظته في مشاهد وشخصيات وسلوكيات يتكررُ طَرحُها؛ لأنها مرغوبة ومثيرة للاهتمام، وليس لأنها تعكس الواقع وتتحدث عن أحوال الأشخاص. هذه العناصر والتّي كانت سابقًا جزءًا طبيعيًا من سيرورة الحكاية، يتمُّ إقحامها في جسد العمل، كتضاريسٍ مُثيرة ينجذبُ إليها فضول المشاهد وتَضمَنُ تعلُقَهُ به.

لستُ طرفًا في أيّ قناة اتصال خاصة، تَمُدّني بهذه المعلومات وتنقلُ لِي هذه الرؤية، بل هي الصورة التّي يمكن لأيًّ منا تخيُلها حين يرى حال الدراما هذه الأيام. بإمكاننا تخيلُ رجلٍ يقطعُ ممراتٍ طويلة حتّى يصل إلى قاعةٍ خالية المعالم، كيلا تشتتُ تفاصيلها المُجتمعين، لها نافذة تشغلُ مساحة حائط، تطلُ على مدينةٍ صاخبة حتّى في ساعات الصباح الأولى، يضمُ حاسوبه إلى صدره ريثما يشغلُ آلة صنع القهوة ويبتسمُ بضبابية حين يخبره أحدهم أنها تملكُ زرًا لإضافة الرغوة.

يَشي فنجان القهوة بالكثير من الأسرار عن شارِبِه، إنه مشروبٌ طَقسيّ، لا يرافقُ لحظاتنا، بل يدخلُ في كيميائِها وتركيبها، فما الفرق بين فنجان الرجل السابق، وفنجان رجلٍ آخر يقفُ أمام موقد منزله، يضعُ الرّكوة على النار ويرمي ملعقة بُنّ أو اثنين فيها، تتغاوى أمامه أفكاره فيشردُ معها، لتحتج القهوة على ذلك وتفوّر مُعيدةً انتباههُ إليها، يصبُ ما تبقى في فنجانه وينكبُ على أزرار حاسوبه ينقُرُها بإيقاعٍ، لا تفسرُه إلا هواجسه.

الفرقُ بينهما يكشفُ عن ملامحٍ جديدة لصناعة الدراما التّي باتت تخلطُ بين المسلسلات والكونسروة (المُعلبات الغذائية)، فالصناعات الاستهلاكيّة تجدُ في الروتين أمنًا وأمانًا، لذا تبتَكِرُ خلطاتٍ ومواصفاتٍ ثابتة، تشملُ المضمون والقالب الّذي يقدمُ فيه، لتضمنُ جزءًا من الأرباح مهما استجدت ظروف السوق.

مما يترجمُ بشكلٍ آلي في فرض المزيد من القيود على الإبداع، فهو رديفُ المغامرة غير مضمونة العواقب، والالتزام بالمُجَرَب مضمون العوائد، مع بعض التعديلات التّي توحي للوهلة الأولى بالتغيير والتجديد. ويزيد الأمر حدَّةً؛ نتيجة توجه الكثير من هذه الأعمال إلى أسواقٍ ضخمة، غير متجانسة ومتنوعة الثقافات، وذلك يحتمُ خضوعها لمعايير أكثر تعقيدًا، تتلائمُ مع شرائح الجماهير المختلفة التّي تطلبُ ودَّها.

ولتسهيل مهمتهم، يدفعُ القائمون على هذه الصناعة باتجاه تجريد الدراما من أيّ وظيفة تتعدى إطار التسليّة والترفية، وإعفاءها من كل مسؤولية مُجتمعيّة وثقافيّة، كانت قد كافحت سابقًا للحصول عليها، ويحولون الوجبة الدراميّة إلى نقرشة سريعة وخفيفة، لا يدركُ المشاهد متّى بدأت وأين انتهت وأثرها الوحيد هو تُخمة وطيات جديدة تحيطُ بخصره.

طَوَرَ المُشاهد السوريّ حساسيةً للقضايا المختلفة التّي تمسُّ حياته، من كافة النواحي الاقتصاديّة والاجتماعيّة والدينيّة والثقافيّة والسياسيّة… إلخ. وأصبح يبحثُ عن إنتاج دراميّ واعيّ لتلك القضايا التّي تشغلُ باله، وفي الوقت ذاته، مازال عقلُه مبرمجًا على أن تلك الساعات التّي يقضيها أمام الشاشات، مُخصصة للهروب من الواقع ونسيانه. وبذلك يكون المزاج العام قد حدد نوعًا من المقاربة التّي يمكن له تقبلها والاستمتاع بها. والدراما اليوم لا تفشل في اختيار القضايا المحقة، لكنها لا تتقنُ تجسيدها وتتبعها من الزوايا الصحيحة وعرضها بالطريقة الملائمة، كل الأساليب والمقاربات ممكنة ومطلوبة في مراحل مختلفة والّذي يرجحُ أحدها على غيره هو حاجة وتفضيل المشاهد له.

أكبر وأخطر القضايا المحليّة والإقليميّة والعالميّة على حد سواء، تتفرعُ في حياة الأفراد بأبسط الأشكال، والتقاطها من الزوايا الخفية والممارسات اليومية التّي لا يقفُ عندها الناس ليفكروا مرتين، هي مهمة الكاتب المبدع، وقد كانت هذه تقنية متبعة لتخطي الرقابة المفروضة وكذلك الخطوط الحمراء التّي وضعها المجتمع نفسه. والإشارة إليها بالانطلاق من زوايا غريبة عن المجتمع، لكنها أصبحت مع التكرار تقليدية ومتوقعة، وبشخصياتٍ تُشبه القضايا ذاتها أكثر مما تشبهُ الإنسان الّذي يعاني منها، وأحداث لا تمّتُ للواقع بصلة، يدلُ على تواضع الإمكانات والخبرة والجهد المبذول.

إن كنتُ لا تعلم فتلك مصيبة وإن كنت تعلم فتلك مصيبةٌ أعظم، التمسك بذلك النوع من العرض القاسي والجلف للحياة والمجتمع، الّذي يبدأ باختيار مواضيع شائكة ومُتشعبة ومن ثمّ تمثيلها بشخصياتٍ مُعقدة ومُتطرفة، تخوضُ أحداثًا نادرة وتخرجُ بنتائجٍ لا تقلُ غرابةً وحيرة عن كل ما سبق، حتّى حين يتعلق الأمر بالكوميديا، يدلُ على انقطاع التواصل بين المتلقي وصانع المحتوى الدرامي، أو ربما يدل على أن لائحة اهتمامات الأخير قد ضحت بالمتلقي وذوقه وحاجاته، واكتفت بالأرباح.

كما يستنتجُ مُتأمل الدراما، سيطرة العنصر الذكري على قطاع الإنتاج الدرامي، من حيث النسبة الأكبر من العاملين فيه وكذلك الأفكار والرُؤى المُهيمنة على مراحل الإنتاج كافة. وغياب المرأة عن العمليات القائمة خلف الكاميرا يعني أن ما يتمٌّ إنتاجه يفتقرُ إلى منظور الأنثى وبدلًا من ذلك تهيمنُ نظرة الذكور للعالم.

الفرق بين الرجل والمرأة ليس في القدرة أو التمكن، بل في التجارب التّي يخوضها كلٌ منهما منذ ولادته، والتحديات التّي تساهمُ في تكوين نظرته لمختلف القضايا، والمسؤوليات والأدوار التّي تقعُ على عاتقه، عدا عن التذوق الخاص والمميز لمواقف الحياة المختلفة، ذلك وغيره يجعل كُلًّا منهما يعالج المشهد الواحد من منطلقات متنوعة وباستخدام أساليب مختلفة. وكذلك عندما تعمل النساء خلف الكواليس في الكتابة والتحرير والإنتاج وتوجيه الأدوار، يكون عدد الشخصيات النسائية وأهميتها أكبر بكثير مما هو عليه حين يحتل الرجال هذه الأدوار وقد يقتصر التقديم على شخصيات نسائية نمطية.

الكاميرا لا تعكس المجتمع فحسب، بل تشكله أيضًا، وهنا تكمن الخطورة المجتمعية للفجوة بين الجنسين في الإطار الدرامي، فقد تساهم في تدعيم الصور النمطية المجتمعية حول الجنسين وتفشل في عكس التغيرات الطارئة على المجتمعأو تفشل في تحريضها. الدراما لا تفتقد لأيّ حضور أنثوي عابث، بل تفتقد المرأة القوية والمغيرة لقواعد اللعبة.

من الشائع التحسر على الأدباء، فالأدب مهنة نبيلة، لكن غير مربحة مقارنةً بغيره من الفنون، وقلةٌ يعلمون أن ذلك أنقذ الأدب والأدباء من الدُخلاء والابتذال، فالأديب بَقي محميًا، ولم يقع في الفخ ويصبح عبدًا للرفاهية، مستعدًا للمرور فوق قيمه ومبادئه للحصول على المزيد منها، وكذلك منع إلى حدّ ما، من تَعرية الأدب من معناه ورسالته، كما حصل في كثير من الحالات مع الموسيقى والدراما. حين طُلِب من الملحن السوري عبد الفتاح سكر تقديم نصيحة للفنانين الجدد، دعاهم إلى الابتعاد عن التقليد الأعمى أو لحاق الرائج بحثًا عن الأرباح، لأن تحول الفن إلى تجارة بحسب رأيه نهايةٌ للأغنية الباقية والممتدة الأثر، وما يتمُّ إنتاجه بسرعة يختفي أيضًا بسرعة، وأضاف أنه على الفنان اختيار اللون الذي يُناسبه فقط والعمل على تطويره تدريجيًا لبلوغ الشهرة والنجاح، فالموسيقى حديقةٌ من الأزهار، علينا أن نختارُ منها ما يناسبنا. وبذلك لخص تجربةً ينبغي الاقتداء بها، فقد بقي سكر مخلصًا لتجاربه الشخصية، وسمَحَ بمساحة معينة للتأثر بتجارب غيره، وقدم ألحانًا فريدة وخاصة لا تشبه شيئًا آخر لأنها مُفَصَلَة على قياس فنانٍ معين، تتناسبُ مع اللون الغنائي الذي يتبناه وتبرز إمكانات ومميزات صوته.

لعلَّ ما تمرُّ به الدراما السورية، هو ذاته ما يمرُّ به المشاهد السوري، لعل خطواتها المرتبكة تسبق توازنًا يحتفظ بهويتها وأصالتها ويأخذ من المتاح الجديد ما يناسبه من أزهار. في بعض الأحيان لابد للباطل أن يطغى حتّى تخلق الغاية والدافع لاستدعاء أهل الحق إلى الساحة، فقد أثبت ملل الجمهور السوري أنه لن يخفض سقف توقعاته حين يتعلق الأمر بالدراما السورية، كما يفعل كرمى لغيرها، وأنه ينتظر وجبةً مُتكاملة وشهية ترضي انتظاره وتقنعه بالمزيد منه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد