أيام زمان كانت العائلة كلها تجتمع حول التلفاز في السابعة والنصف مساء؛ لتشاهد المسلسل الذي يعرض قبل نشرة الأخبار. التمثيلية الدرامية غالبًا لا تتجاوز السبع حلقات، كنا نجلس وكان على رؤوسنا الطير لنتابع تمثيليتنا المفضلة، حتى أننا إذا أردنا قضاء حاجة ما نؤجلها لفترة الإعلانات.

كانت الدراما آنذاك صادقة، تشد المتابع ببساطتها وعفويتها وواقعيتها، وتتمتع برقابة صارمة، حتى أننا كنا نتعلم من بطل المسلسل المواقف السليمة والأخلاق الراقية. نبكي أحيانًا لموقف قام به البطل، ونضحك تارة لنكتة أطلقها.

الفترة الذهبية والانتشار

فترة التسعينات كانت الفترة الذهبية، ولعل أهم المسلسلات التي أحدثت نهضة في صناعة الدراما مرايا بأجزائه المتعددة، وبعبقريته وذكاء بطله وكاتبه ياسر العظمة، كان نقطة تحول في صناعة الدراما من حيث كثافة الأفكار والقصص الدرامية وتنوعها، وإسقاطها على الواقع، واحتوائه على عدد كبير من نجوم الدراما، والذي أدى للوصول إلى مختلف الشرائح العربية.

نهاية رجل شجاع وأخية التراب، مرورًا بالزير سالم، وصلاح الدين الأيوبي، والفصول الأربعة وعائلة 6- 7- 8 نجوم، والتغريبة الفلسطينية التي ساهمت في انتشار الدراما عربيًّا وعالميًّا.

لم يكن وقتها هذا الحشد الهائل من المسلسلات التي تخصص لشهر رمضان، والتي تجاوزت عام 2010 قبيل الأزمة السورية 45 عملًا دراميًّا.

الجيل الجديد والانتكاسة

جيل جديد من الكتاب والمخرجين والممثلين الذين جاؤوا وبأفواههم ملاعق من ذهب «أجور مرتفعة- شهرة واسعة على المستوى العربي»، ليباع العمل الدرامي على الاسم حتى ومن دون مشاهدة الملخص أو البرومو، ويتربع على عرش الدراما السورية كتاب «صغار» ركبوا الموجة وبدؤوا بتأليف المسلسلات التي تتحدث اللهجة الشامية لتنقل صورة إلى العالم العربي أن أهل الشام متخلفين وجهلة ولا يفهمون إلا «بالطاخ والطيخ»، والصراعات الدائمة فيما بينهم، وخرافات وعادات وتقاليد بائدة، والثورة على المستعمر الفرنسي الذي انتدب سوريا قرابة 30 عامًا لينتج عشرات المسلسلات عن بطولات الثوار التي لم تنصفهم، وإنما تسير لهم أحيانًا.

لم يتحدث مسسل واحد مثلًا عن يوسف العظمة بشكل مباشر، والذي ضحى تضحية مثالية مع عصبة من الجنود ليواجه الجيش الفرنسي ويستشهد، ناهيك عن كونه متعلمًا ومن أسرة عريقة وأولي من أبي شهاب وأبي طالب والزيبق وعبود الشامي بالذكر.

ومسلسلات +18 التي كثرت في الفترة الأخيرة لتدور قصصها حول الخيانات الزوجية، والعلاقات المحرمة، والمشروبات الكحولية، وتجارة السلاح والحشيش، والإيحاءات الجنسية، بحجة معالجة المشاكل الأخلاقية، والمعالجة لا تكون بعرض المشكلة، وإنما بتسليط ضوء عليها من زاوية ما أو وصفها، ولا تكون المعالجة مبررًا للرداءة الأخلاقية والسلوكية.

والمسلسلات التاريخية إن وجدت فهي تدس السم في الدسم، وتضخ جرعة من الأكاذيب بين ثناياها.

ناهيك عن الممثلين الذين كانوا كومبارس في الفترة الذهبية وأصبحوا اليوم نجوم درجة أولى مع تنحي النجوم الحقيقين عمالقة الدراما بموت بعضهم، وهجرة أو إقصاء آخرين عن الساحة الفنية. لتصبح الدراما ملعبًا للسياسة، ولتمرير أفكار سئم منها المشاهد، والتي تحمل أفكارًا متدنية ومأزومة.

وصعود مسلسلات الكوكتيل العربي، وفيها ترى نجومًا من الصف الأول تشارك البطولة مع نجوم من الدرجة السابعة في المسلسل نفسه، ولنشاهد عائلة واحدة فيها المصري والسوري واللبناني بلهجاتهم المختلفة، ومشاركة مغنيات وعارضات فقط لغرض البيع، وكأن المنتج يقول للمشاهد:

نحن نكذب عليك ونمثل فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد