زارها مهاتير محمد عام 1952، رئيسُ ماليزيا الحالي وانبهر بتقدمها الصناعي والاقتصادي لُقبت ب(يابان الشرق الأوسط)، نموٌّ ونهضة تجاوزت النموَّ الآسيوي، وقوةٌ اقتصادية تجاوزت سنغافورة وماليزيا، عملتُها الورقية حطَّمت رقمًا قياسيًّا، مقارنةً بعملات البلدان العظمى، سوريا وتاريخ نهضتها ونموها الاقتصادي، بين الماضي والحاضر، فكيف كانت خمسون سنة من حكم آل الأسد الأب والابن كفيلةً بتدمير اقتصادها؟

الانتداب الفرنسي وآثارُه الاقتصادية

عانت سوريا في فترة الاستعمار ما بين 1920 – 1946 من أزمات متعددة وشهد اقتصادُها ركودًا؛ نتيجة نشوب الحرب العالمية الثانية، وتوقف الاستيراد، مما جعل البلاد تبحثُ عن بدائل محلية، مثل تعزيز العمل بالزراعة والصناعة، إلا أن ذلك لم يحسِّن من الأوضاع المعيشية، بسبب سياسة الاستعمار الضارة باقتصاد البلاد وأهله.

الاقتصاد السوري بعد جلاء المستعمر

شهدت فترة الجلاء الفرنسي تطورًا ملحوظًا، وكانت مفصليةً لبناء اقتصادٍ قوي ساعد في تنمية البلاد والنهوض بها، حتى باتت حقبةُ الخمسينيَّات تسمى بالمرحلة الذهيبة من عمر الجمهورية نتيجة ماشهدتها تلك الفترة من ازدهار في عدة قطاعات، مثل الزراعة والتجارة والصناعة والمواصلات والإنشاءات، وانتعش سوق التصدير حينها، وكانت بلدان الاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا ولبنان، من بين البلدان الكثيرة التي كانت تستورد المنتجات من سوريا، بينما كانت الأخيرة تستورد الآلات والأجهزة والسيارات والأجهزة الكهربائية معظم سنوات الخمسينيَّات، كلُّ ذلك ساهم في ارتفاع نمو الدخل القومي من 488 مليون دولار عام 1953، إلى 632 مليون دولار عام 1957، وكان نصيب الفرد من ذلك الدخل يقارب 152 دولارًا، وبلغت الأرقام بحسب خبراء ومحللين اقتصاديين، وصل الناتج القومي السوري في 1962 إلى 1.2 مليارات دولار، أي ما يتجاوز ناتجَ الدخل القومي لسنغافورة، وقريب من ناتج الدخل القومي لماليزيا، الذي كان يساوي ملياري دولار حينها، في وقتٍ وصل فيه ناتج دخل سنغافورة في 2011 إلى 250 مليار، وماليزيا 259 مليار دولار، بينما لم يتجاوز الناتج القومي لسوريا بالعام نفسه الـ60 مليار دولار.

زمن الوحدة وأولى خطوات تدمير الاقتصاد السوري

دخلت سوريا في فترة الوحدة مع مصر مرحلةً جديدة، ومنعطفًا غيَّر واقعَ الاقتصاد هناك وانعكس سلبًا على الحياة المعيشية للمواطن، حتى إن خبراءَ اقتصاد، وصفوا تلك المرحلةَ بأولى خطوات تدمير الاقتصاد السوري نتيجةَ دخول أفكار الاشتراكية إلى سوريا في عصر جمال عبد الناصر الذي عزز مفهومَ التأميم؛ وهو سيطرةُ الدولة على الاقتصاد وكثيرون ممن وثَّقوا عزل سوريا عن باقي دول المنطقة من خلال قرار التأميم الذي أفقدها مكانتها الرائدة في تصدير المنتجات إلى الأسواق واحتكرت مصرُ تصديرَ أهم المحاصيل السورية كالحبوب والقطن وفرض رسوم 7 % على المنتجات السورية المتجهة إلى مصر، وأُعفيت المنتجات المصرية من أي ضريبة مماثلة فكان الاقتصادُ المصري مركزيًّا ومتطورًا فيما بقي الاقتصاد السوري شبيها بالاقتصاد اللبناني حيث انتشار المبادرات الفردية والنمطُ الليبرالي وسطوةُ رجال الأعمال.

انقلاب حزب البعث واستمرار سياسة التأميم

مع إعلان انتهاء الوحدة بين سوريا ومصر، بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 سبتمبر (أيلول) 1961، واصل الاقتصاد السوري في الانهيار وقدَّم حاكم مصرف سوريا المركزي آنذاك استقالته نتيجة تزايد مخاطر التأميم وبعد انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في 1963 عزز الحزب حينها مفهومَ الاشتراكية لتلعبَ الدولةُ دورَ المسيطر الوحيد على مُقدَّرات البلاد؛ الأمر الذي انعكس سلبًا على بنية الاقتصاد نتيجة مصادرة أملاك وشركات رجال الأعمال.

حافظ الأسد والاقتصاد عدوان لدودان

نفَّذ حافظ الأسد انقلابًا عام 1970، واستطاع التخلُّصَ من جميع رفاقه وأبرزُهم صلاح جديد أحد أبرز قيادات اللجنة العسكرية التي قادت انقلابَ حزب البعث في العام 1963 وأصبح الأسد الأب رئيسًا لسوريا في مارس (آذار) من العام 1971، وبدأت معه حقبةٌ جديدة من تاريخ البلاد ورغم استمرار حقبة الأسد لـ30 عامًا، فإن فترةَ حكمه هذه لم تشهد أيَّ إنجاز أو مشاريع اقتصادية ضخمة، باستثناء مشروع سد الفرات، والذي يقول خبراء ومحللون إن فكرةَ إنشائه لم تكن من أفكار حافظ الأسد، لأن قرار بناء السد اتُخذ في عهد صلاح الجديد وكان شبهَ جاهز قبل أن يأتي الأسد إلى السلطة، لكنه استثمره فيما بعد وأضافه إلى إنجازته، وهوى الاقتصاد في فترته إلى مستويات لم تشهدها سوريا منذ استقلالها، رغم فترة الانقلابات العسكرية والسياسية التي كانت في الخمسينيات، فإن البلاد حافظت على قوتها ومكانتها الاقتصادية بين بلدان العالم، بينما كان سعر صرف الليرة السورية عندما استلم حافظ الأسد السلطة يساوي ثلاث ليرات لكل دولار أمريكي ثمَّ انخفضت قيمتُها حتى وصلت إلى 52 ليرةً لكل دولار قبل وفاته في العام 2000.

بشار الأسد وعقد البشائر!

استبشرَ الناسُ خيرا بالأسد الابن الذي وصل إلى السلطة بعد وفاة والده كونُهُ عاش فترةً طويلةً من عمره في البلاد الأوروبية أملًا في أن يحملَ تلك الأفكار التنويرية والإنتاح والتطور في تلك البلدان إلى سوريا، وشهدت السنواتُ الثلاث الأولى من حكم بشار الأسد انتعاشًا اقتصاديًّا واسعًا على صعيد الحياة المعيشية وتحسنَ دخلُ المواطن الشهري وانخفضت الأسعار لكن سرعان ما تبدلت تلك العلاقة بين الشعب والسلطة في العام 2004، وظهر ذلك عند خروج رئيس الوزراء محمد ناجي عطري حينها بخطاب جديد يحمل عنوانَ القطيعة بين الدولة والشعب ورفعَ الدعم تدريجيًّا عن الكثير من السلع الأساسية مثل المحروقات والخبز والكهرباء وفتحَ الطريق أمام القطاع الخاص والسماحَ بافتتاح بنوك خاصة وشركات تأمين وبورصة وجامعات والكثير من القطاعات لكن اتضح لاحقًا أن كلَّ تلك القرارات التي قيل إنها جزءٌ من مسيرة الإصلاح والتطوير التي يقودها بشار الأسد لم تكن إلا مخططًا يجعل من سوريا مزرعةً يتقاسمها رجالُ أعمالٍ مقربون من آل الأسد، وبات الشعب يسمع لأول مرة منذ تاريخ نشأة دولته بأسماء رجال أعمال وعائلات جديدة مثل آل شاليش ومخلوف والأخرس وطلاس، وغيرها من العائلات التي هيمنت على كافة القطاعات الاقتصادية في الدولة وكلُّه بعلمٍ ودعمٍ من النظام نفسِه، مرحلةٌ سرعان ما بدأت تتدهور معها الحياة المعيشية للمواطن الذي تآكل دخلُه أمام تسارعِ ارتفاع الأسعار حيث شهدت البلاد مطلعَ العام 2006 ارتفاعَ أسعار الديزل من سبع ليرات إلى 25 ليرةً في العام 2010 بخلاف ارتفاع أسعار فواتير الكهرباء والماء والاتصالات والمواصلات، وزاد الفسادُ في مؤسسات الدولة وتبدلت أحلامُ الشعب بالتغيير إلى مجرد أوهام اصطنعها الأسد الابن الوريثُ للسلطة.

بشار الأسد والمسمارُ الأخير الذي دُقَ في نعش الاقتصاد

لم يكن الأسد الابن يتوقع أنَّ رياحَ التغيير قد تمر من سوريا ومع مطلع عام 2011 هتف الشعب بالحرية والإصلاح، فسارع النظام إلى زيادة الرواتب على الفور لكنْ تلك الحلول الإسعافية لم تكن ناجعة فواصل الشعبُ التظاهرات ورفعَ شعارات محاسبة الفاسدين لم يستجبْ الأسد واختار الحلَّ الأمني وأدخل البلادَ في أكبرِ كارثة اقتصادية وإنسانية شهدتها البشرية، وبدأت بعد ذلك مرحلة سقوط الاقتصاد شيئًا فشيئًا فقدَّم الأسد خيرات البلاد لروسيا وإيران بهدف إنقاذ نظامه من السقوط ثم جاءت العقوبات الأمريكية والأوروبية وبعدها بدأ ظهورُ الخلافات الضيقة في عائلة الأسد بين بشار وزوجته أسماء وابن خاله رامي مخلوف؛ فأخذ سعر صرف الليرة بالتراجع بشكلٍ متسارعٍ أمام الدولار حتى وصل إلى أدنى مستوياته بعد أن كان الدولار الواحد يساوي 46 ليرة سورية قبل اندلاع الثورة، أما اليوم فقد وصل سعر صرفها أمام الدولار إلى 3500 ليرة وأصبح متوسط دخل المواطن يساوي نحو 70 دولارًا شهريًّا بينما كان يتخطى الـ500 دولار في العام 2010.

عشرُ سنوات من الحرب كانت كفيلةً لجعل سوريا في مقدمة البلدان الأكثر فقرًا في العالم وخسائرُ اقتصادية قدَّرتها الأمم المتحدة بأكثر من 440 مليارَ دولار، ومواطنٌ يرزح تحت الفقر والجوع في مناطق سيطرة النظام، ومستقبلٌ قاتم لا أحد يعلم ما الذي يحمله لبلدٍ حكمتها عائلة واحدة لأكثرَ من خمسين عامًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد