للحديث عن ملف إعادة الإعمار في سوريا؛ يتسنى لنا الحديث عن الأسباب والتداعيات التي أدت لكل هذا الدمار، وما هي المقومات التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار للنهوض بسوريا الحديثة؟

فقد لاح في الأفق ما كان يُخفى، ووضعت الفواتير على الطاولات، في ثماني سنوات من ثورة شعب، وأزمة نظام، وتخلي أممي، وصمت الأصدقاء، فقد بدأت الآلات العسكرية ترصد وتراقب وتسيطر ليس بالقوة العسكرية فقط، وإنما بالتسليم والاستلام.

وقد جُربت في سوريا شتى أنواع الأسلحة؛ برًا وجوًا وبحرًا، ودُفعت المليارات لقمع ثورة بدأت سلمية؛ فهدمت البيوت، وكثرت إحصائيات الدمار وكبُرت، وبدأت ملامح خطط إعادة الإعمار لثورة لم تنته تلوح في الأفق القريب.

الحالة السورية وإعادة الإعمار فيها لا يشبه أبدًا أيًّا من الدول التي خاضت وخرجت من ويلات حروب مدمرة.

ففي سوريا لدينا ثورة شعبية ناهضت نظام الحكم، فهل يمكن للسوريين الذين خرجوا في ثورتهم العودة إلى سوريا، والمساهمة في بناء وطنهم، مع وجود الرئيس الذي شردهم، وقصفهم، وحكم عليهم غيابيًا بأحكام لا صلة لهم بها سوى أنهم أرادوا حكمًا ديمقراطيًّا يتيح لهم الحق في اختيار من يحكمهم؟! فإعادة الإعمار في سوريا يحتاج لعدة أمور يستوجب الوقوف عندها.

فلبناء ما هدم نحتاج إلى اليد العاملة من السوريين، كيف يتم تحقيق ذلك وأكثر من نصف الشعب السوري بين مهجر ونازح؟! فالوضع الأمني له دور كبير في عودة اللاجئين، فلا يمكن للمواطنين السوريين خارج سوريا العودة إلى بلدهم دون شعورهم بحالة الأمن الداخلي، وعدم تعرضهم للاعتقال الأمني التعسفي، ولعل ثقتهم بالحكومة الموجودة حينها سيكون له دور كبير في عودتهم.

هناك أيضًا التغير الديمغرافي للكثير من المناطق في سوريا، وسيطرة الميلشيات عليها بقوة السلاح، فكيف لأصحاب هذه المناطق العودة وممتلكاتهم قد سلبت منهم بسبب السيطرة عليها؟!

الملف الغذائي وإمكانية وضع الخطط من قِبل الحكومة السورية المقبلة لتأمين الغذاء لأكثر من نصف سكان سوريا، الذين هم تحت خط الفقر.

خطط إعادة الإعمار من قِبل الحكومة، وما هي خطط هذه الخطط؟ إن كانت الخطط موجودة، فهل ستكون ثقة المواطن السوري موجودة في هذه الخطط؟ وخاصة أن الشعب السوري يعلم ومنذ 50 عامًا وموظفين الدولة وأصحاب القرار يقومون بوضع خطط تصب في مصالحهم، وتعظّم من ثروتهم، وحساباتهم البنكية فقط.

ولتحقيق إعادة الإعمار نحتاج أيضًا إلى أموال ضخمة، فهل هذه الأموال التي ستتدفق إلى سوريا ستكون بمثابة استثمارات عالمية، تصب في مصلحة الاقتصاد القومي؟ أم أنها ستكون بمثابة قروض تقدم لحكومة إما فاسدة تنهب ما قدم من قروض، أو أن هذه الحكومة ستعمل بجد لتقديم الأفضل لسوريا؟ وفي الحالة الأخيرة نحن أمام كارثة مديونية ستُبقي المواطن السوري تحت رحمة إيفاء هذه الديون وفوائدها سنوات طويلة وربما لأجيال.

فوفقًا للبنك الدولي في العام الماضي قد بلغ إجمالي خسائر الاقتصاد السوري نحو 226 مليار دولار، وأن أكثر من ربع الوحدات السكنية قد سويت بالأرض أو تضررت، وأن 60% من الشعب السوري بات في فقر مدقع.

وبالمقابل لم يخفِ النظام السوري خسائر بعض القطاعات؛ مثل القطاع الصناعي الذي تجاوزت خسائره 67% من قدرة سوريا الصناعية، وخسائر القطاع الزراعي التي قدرت بـ25 مليار دولار، ناهيك عن القطاع السياحي المشلول والذي بلغت خسائره 14 مليار دولار، أما بالنسبة للقطاع الطبي فقد أُنهِك لدرجة وصلت فيها خسائره إلى 12 مليار دولار، واستنزاف 70% من أطباء سوريا تهجيرًا واعتقالًا وموًتا، والجدير بالذكر هنا أن أكثر من نصف الشعب السوري في حالة نزوح داخلي وخارجي.

وفي سياق متصل أعلنت وكالة رويترز في أبريل (نيسان) الماضي أن حجم الذخيرة التي اُستخدمت في سوريا تجاوزت ما اُستخدم في كافة الحروب العربية ضد إسرائيل منذ حرب 1973م بما فيها حرب لبنان بعشرة أضعاف.

ومع كل هذا الدمار الذي شهدته سوريا، والمنسوج بدماء الشهداء، جعل من إعادة الإعمار طرحًا ذات طابع دولي، وفي المقابل كان للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية لما يجري في سوريا رأي آخر، وشروط للمساهمة في إعادة الإعمار، ومشاركتهم فيه، فقد اشترط الاتحاد الأوروبي على روسيا خروج «الأسد» من السُلطة، ووضع دستور جديد لسوريا، وتشكيل حكومة انتقالية، إلا أن الدب الروسي ناور إلى أن قبل بوضع دستور جديد، لكن برعايته وتحت كنفه، مع تحفظه بمناقشة مصير «الأسد» وانتقال السلطة، فأصبح الدستور موضع نقاش ومفاوضات، وإعادة إعمار سوريا مطمع كبير للجميع.

فهل انتهت الثماني العجاف في سوريا وبدأت بوادر الحل؟! مع العلم أن إعادة الإعمار في سوريا يحتاج من ناحية التكلفة المادية إلى تمويل ضخم، ولا تستطيع دول البركس وإيران والصين مجتمعة إلى تحمل أعباؤه، وضخ مئات المليارات من الدولارات في سوريا، ولا سيما الأوضاع السياسية المتغيرة في العالم، مثل فرض عقوبات أمريكية خانقة على إيران بعد خروجها من الاتفاق النووي، ومن ناحية أخرى وبالأرقام تحتاج سوريا إلى أكثر من تريليوني دولار بحسب بعض الخبراء لتعود كما كانت.

فهل تُرضِي روسيا كل من أمريكا والاتحاد الأوروبي مقابل مساهمتهم في إعادة الإعمار؟ لا سيما أن سوريا تملك ما لا يستهان به من الثروات الباطنية؛ مثل النفط والغاز والفوسفات، الذي صرح بشأنه أحد المسؤولين الروس «أن في سوريا أكبر مناجم الفوسفات، ويجب الاستفادة منها وتصديرها للعالم»، وأن الحرب لم تنتهِ بالكامل، وما زال هناك مناطق خارجة عن سيطرة النظام السوري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد