لَعَلَّ أبرز ما اشتهرت به حماة مقاومتها الشرسة لنظام البعث في أحداث الثمانينيات، المعركة الأكبر والمواجهة الدامية التي كلفت الإسلاميين في سوريا وجودهم وكيانهم قياداتهم وشبابهم، لكن ما أوصل حماة إلى هذه المواجهة كان عدة مواجهاتٍ تصاعدية بدأت قبل المواجهة الكبرى بحوالي 18 سنة بعد انقلاب حزب البعث ووصوله إلى السلطة بعام واحد أي في عام 1964.

الأحداث السياسية التي سبقت أحداث 1964

كانت سوريا على صفيحٍ ساخن بعد مرور أحداث سريعة ومدوية، منذ تنازل شكري القوتلي عن الحكم لصالح جمال عبد الناصر عام 1958 لتقوم الوحدة العربية والتي سيشترط فيها عبد الناصر حل الأحزاب السياسية بما فيها جماعة الإخوان المسلمين، لم تستمر الوحدة طويلًا ففي عام 1961 قام الضابط عبد الكريم النحلاوي بالانقلاب على الوحدة ليسلم الحكم لآخر رئيس منتخب في سوريا ناظم القدسي، سعى الأخير خلال سنتين في الحكم إلى إعادة المسار المدني في سوريا، لكن جهوده باءت بالفشل بسبب التدخلات المباشرة للجيش في الحكم، لينتهي المطاف بانقلاب البعث في الثامن من مارس (آذار) عام 1963 والذي سيكون بوابة صراع دموي في سوريا.

البعث المحاصر من العراق ومصر

بعد انقلاب الثامن من مارس أراد حزب البعث تصدر الخطاب القومي العربي وتحجيم جمال عبد الناصر، ولكنه فوجئ بأنه بات محاصرًا من قبل جيرانه وأصدقائه القدامى مصر والعراق، وذلك بعد استلام عبد السلام عارف الحكم في العراق واعتباره أن الوحدة سارية بقيادة عبد الناصر، وهذا وسط هجومٍ إعلاميٍ بلا هوادة من إذاعات القاهرة وبغداد، فكانت القاهرة تندد «بالبعث الكافر» في دمشق وتنعت قادته بأنهم ليسوا عربًا ولا مسلمين في إشارة إلى أنهم أقليات غير مسلمة، وكان ذلك واضحًا بدعمهم التحرك الذي حدث في بانياس وحلب وحمص الأمر الذي عالجه سريعًا أمين الحافظ في محاولة منه لإخماد التأجيج الطائفي الذي بدأ بالظهور.

خيوط الاشتباك

منذ الأيام الأولى لسيطرة حزب البعث على السلطة في سوريا ظهرت نغمة تقول إن هذا الحكم هو حكم «عدس» أي حكم العلويين والدروز والإسماعيليين، وأكد ذلك ظهور الأصوات المعادية للإسلام بشكل واضحٍ ومسيس، تارة بمهاجمة السور القرآنية وتارة بالمطالبة بإلغاء الأوقاف وإلغاء مادة التربية الإسلامية في المناهج الدراسية، أما على الصعيد الطلابي والذي سيكون السبب الرئيس للمواجهة سيقوم الطلاب البعثيون بإطلاق صيحاتٍ استفزازية كـ«حطّوا المشمش عالتفاح دين محمد ولّى وراح»، «آمنت بالبعث ربًا لا شريك له وبالعروبة دينًا ما له ثَانٍ» الأمر الذي استفز المجتمع السوري ذا الأغلبية المتدينة.

بداية المواجهة بين البعث والإسلاميين

في السابع من أبريل (نيسان) عام 1964 كتب أحد طلاب مدرسة عثمان الحوراني في مدينة حماة على اللوح «لا حكم إلا لحزب البعث» فقام طالب آخر بشتم الحزب وكتب «لا حكم إلا لله»، «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» مضيفًا اسم «ميشيل عفلق» لتقوم الأجهزة الأمنية باعتقال الطالب الأخير وتعذيبه وإخفائه.

توسط وجهاء حماة للإفراج عن الطالب، ولكن البعث تعنت واعتبر أن الأمر تحدّ ومواجهة لحكمه، بل وقام وزير التربية البعثي شبلي العيسمي ابن جبل العرب بنقل عدد من مدرسي التربية الإسلامية، فضجت المدينة بالاضطرابات بين مختلف أطيافها وتفاقمت الأحداث لتبدأ المظاهرات، ويعلن التجار إضرابهم الذي سيستمر قرابة 29 يومًا، ليرد النظام باستدعاء الجيش وتطويق المدينة.

كان قرار جماعة الإخوان المسلمين عدم الدخول في مواجهة مباشرة لتجنب الصدام مع السلطة، وأُبلغ مسؤولو الجماعة في حماة بالقرار ولكن الشيخ سعيد حوى يقول إن تسارع الأحداث أجبرهم في حماة على خوض المواجهة؛ فدعا إلى إقامة حلف شبيه بحلف الفضول ليكون الجميع يدًا واحدة، فأعلن الاشتراكيون مساندتهم للإضراب العام فيما بقيت جماعة أكرم الحوراني على الحياد.

بدأ الجيش بقتل أحد المزارعين العزل في بيته، وحاول فتح المحال التجارية بالقوة فاصطدم بمقاومة مسلحة استمرت لبضعة أيام سقط خلالها قرابة سبعين شهيدًا إبان قصف الجيش بالمدافع للمقاومين الإسلاميين فقاموا بالانسحاب إلى جامع السلطان وعلى رأسهم الشيخ مروان حديد، كانت المساجد في سوريا خلال الاستعمار الفرنسي المكان الذي يلجئ إليه المقاومون، فحتى عندما كانت تشتد المطاردة كان الجنود الفرنسيون يقفون ولا يطئون أعتاب المسجد، لكن البعث تعامل معهم بطريقة مختلفة، فقصف الجامع ودمر مئذنته بأمر من العقيد حمد عبيد أمر سلاح العشائر لينتقم المقاومون من القصف بقتل أحد جنود الحرس القومي.

يرى البعض أن القصف كان ردا طائفيًا من قبل العقيد الدرزي حمد عبيد الذي اغتنم الفرصة للانتقام بسبب قصف جبل العرب في عهد أديب الشيشكلي ابن مدينة حماة، بعد تدمير مئذنة الجامع في تلك المواجهة غير المتكافئة تمكن الجيش من اعتقال العشرات من بينهم مروان حديد.

أراد البعث أن يجعل محاكمة المعتقلين تاريخية رادعة، فكانت في حمص بشكل علني وعلى الهواء مباشرة برئاسة الرائد السني مصطفى طلاس لإبعاد أي تهمة طائفية عن المحاكمة.

وفي أثناء المحاكمة قال طلاس لمروان: أنت عميل.

فرد مروان: أنا عميلٌ لله.

قال طلاس: أنت مأجور.

قال مروان: أنا مأجورٌ من الله.

قال طلاس: حكمت عليك المحكمة بالإعدام شنقا حتى الموت.

فرد مروان بابتسامة ساخرة: والله يا مسكين لو عرفتُ أنّ بيدك الموت والحياة لعبدتكَ من دون الله. فضجت الصالة بالتصفيق الحاد والصراخ والاستهزاء بالمحكمة، هنا قامت السلطة فورًا بقطع الكهرباء عن صالة المحكمة، وتم إيقاف البث الإذاعي المباشر.

تنازل ما بعد العاصفة

تشكل بعدها وفد يزيد عن 60 شخصًا من وجهاء حماة برئاسة الشيخ محمد الحامد وذهبوا إلى دمشق وقابلوا الرئيس أمين الحافظ وطالبوا بالإفراج عن المحكومين والهاربين وإلغاء حكم الإعدام عنهم وإلا فإن المدينة ستبقى مشتعلة، فأمر الحافظ بالإفراج عنهم وتكفل بدفع تكاليف إصلاح مئذنة جامع السلطان، الموقف الذي سيعتبره البعض للحافظ تاريخيًا بتجنيب حماة صراعًا داميا!

بيد أن البعث كان منقسمًا في تلك الفترة بين جهة ترى أن الحل يجب أن يكون دبلوماسيًا بعيدًا عن إراقة الدماء وبين جهة أخرى ترى أن القمع والدماء سبيلها الوحيد للسيطرة على سوريا لأمدِ بعيد، وستميل الكفة لاحقًا للجهة الأخيرة والتي ستكون المسؤولة عن سلسلة المجازر في التاريخ السوري

بعد قرار أمين الحافظ أفرج عن المحكومين وأخلي سبيلهم وعلى رأسهم مروان حديد الذي يبدو أنه تأكد جراء المواجهة الأخيرة وما رأى في سجن تدمر العسكري أن المنظومة البعثية لن يفلح معها التحاور والتفاهم وأن الحل هو بمواجهتها عسكريًا، وهذا ما سيؤدي لاحقًا إلى تأسيس الطليعة المقاتلة لتنتقل المواجهة بين الإسلاميين والبعث إلى أبعادٍ أخرى قبل الوصول إلى حماة 82.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد