يخطئ برأيي الكثيرن من المحللين السياسيين الذين يرون ان الطريق السوري هو باتجاه واحد لا غير، ألا وهو الحرب، بل إن بعضهم يراها ليست حربًا فقط بل يعتبرها حربًا عالمية ثالثة.

 

الغريب في هذا الطرح أن الغالبية لم تستطع تحديد شكل هذه الحرب وتحديد أطرافها وهل ستقوم بالوكالة بين القوى العالمية الكبرى أم هل ستكون حربا مباشرة بينها؟ والغريب أيضًا أن هؤلاء المحللين يختلفون أيضًا في تحديد الدور الأمريكي وهل أمريكا هي من تقود جميع الأطراف؟ أم هي طرف في الصراع وتقود دولا لمواجهة دول أخرى؟ ام أنها تستبدل حلفاءها القدامى بحلفاء جدد؟

 

سأكون متفائلا في الطرح حيث أني أرى التغيرات التي حصلت في الفترة الأخيرة تقودنا إلى تصور آخر في المنطقة بعيدا عن الحرب ويبدو أن خيارات مثل التقسيم أصبحت أكثر قبولا بين المتنازعين، فما معنى أن يجتمع الأتراك مع الإيرانيين ويتفقون على مصالح اقتصادية مستقبلية؟ وما معنى أن يتحرك وزيرا الخارجية الأمريكي والروسي وكأنهما في مركب واحدة؟

 

حتى أن الطرفين الرئيسين في الصراع النظام السوري والمعارضة السورية قد حافظا على الهدنة الأخيرة رغم توقع الكثيرين بانهيارها كسابقاتها وإن شابها بعض التجاوزات إلا انها بقيت قائمة بشكل كبير، هذا الأمر يصلح لأن يكون دليلا على وجود طريق آخر غير الحرب على الأقل في الصيف القادم.

 

من جهة أخرى تجد أن الخطاب السعودي تحول بشكل سريع خلال أقل من شهر فمن تابع الجبير وزير الخارجية السعودي في الشهر الأخير فقد بدأه بتجهيز قوات برية لدخول سوريا إلى أن انتهى قبل يومين بالقول بأنه يأمل في أن يخرج الأسد عن طريق حل سياسي، ويبدو أن فكرة الجيش البري السعودي هي فكرة للتهديد ليس إلا، فمن منظور عسكري هل تستطيع السعودية الدخول في حرب برية على الجبهة الشمالية وهي متورطة حسب رأي الكثيرين في الجبهة الجنوبية في اليمن.

 

محور آخر يعزز خيار الصيف البارد هو الناحية الاقتصادية وتأثيرها وخاصة في ظل الأطراف المتصارعة حيث أن تركيا كدولة اقتصادية في نمو واضح تطمح بألا توقفها حرب عسكرية تكبدها خسائر تؤخر مخططاتها ونموها، أما إيران فهي مقدمة على إحداث قفزة اقتصادية عالمية بعد أن رفع الحصار عنها وقرب علاقتها مع الغرب بشكل عام، فهل ستغامر أكثر في مثل هذه الحرب؟ روسيا ايضا ليست في وضع اقتصادي يسمح لها بالحرب المباشرة وذلك بسبب انخفاض سعر النفط الذي أثر بشكل واضح على الاقتصاد الروسي والعملة الروسية، أما السعودية فهي أيضا غير قادرة برأيي بالمغامرة بمبالغ كبيرة للحرب في ظل أسعار النفط الجديدة والحالة الداخلية الاقتصادية القريبة إلى التجمد.

 

أما الولايات المتحدة الأمريكية فبعيدا عن الحالة الاقتصادية وتداعياتها فهي مقبلة على انتخابات رئاسية وذلك يعني أن دخول الديمقراطيين الحرب في الصيف القادم هو بمثابة القشة التي ستقسم ظهرهم في الانتخابات بسبب الحالة الشعبوية الأمريكية الرافضة لأي حرب عسكرية مكلفة.

 

حتى إن الكثير من الاستراتيجيين بدأوا بنشر ورسم خرائط للتقسيم فهناك من يتحدث عن الحزام الكردي الجديد الممتد في الشمال العراقي والسوري، وعن هلال علوي في الساحل الغربي لسوريا وعن منطقة سنية في حلب وحمص وأريافها ويتحدثون أيضًا عن جنوب عراقي شيعي وغرب عراقي سني وهكذا.

 

لكن المعيق الرئيسي في خيار التقسيم هو تنظيم الدولة الاسلامية داعش حيث أنه أمام خيارين حاسمين أولهما اكتساب اعتراف أممي بوجودهم وجغرافيتهم بحيث يكون ذلك الامتداد لهم بمثابة بؤرة أولية مرحلية لدولتهم وتسمح لهم بالتمدد اللاحق في ظل احتمالية وجود دول صغيرة ضعيفة محيطة بهم يستطيعون باعتقادهم التوسع فيها وفرض أمر واقع مستقبلي، أما الخيار الثاني فهو إشعال حالة الصراع بين الأطراف المتنازعة حتى يحصل على الكثير من المكاسب والتوسعات المستقبلية ولمزيد من مصداقيتهم أمام أفرادهم حيث مبدأ البقاء والتمدد.

 

خيار آخر ربما يكون هو الحل المؤقت في الصيف القادم وهو خيار التهدئات وتجميد الأمر مرة أخرى لمحاولة إيجاد حلول وخيارات أخرى أو للتجهيز إلى حرب أكثر عنفًا وإدخال أطراف أخرى في الصراع مثل الجانب المصري واللبناني والأردني لتغيير معادلات القوى في المنطقة.

 

خلاصة القول أني أرى أن الطريق السوري ليس باتجاه واحد وهناك فرص واتجاهات أخرى يمكن أن تتجه إليها الأمور، وأن التفكير في خيار واحد فقط لا غير هو بمثابة تقزيم وتحجيم لأمر واسع وغامض إلى الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد