لم يغير الزمان والحرب شيئًا من تقليدية وبلادة الإعلام السوري النظامي، بل كان قياسًا بسرعة الزمن والتطور يسير إلى الوراء.

حيث تشرف وزارة الإعلام السورية أو بالأحرى «الأجهزة الأمنية» بشكل مباشر وكامل على جميع وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية العاملة في سوريا، وتسيّره ليكون بوقًا يواكب سياسة الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية وتستمر «كطبل وزمر» لظل الرئيس في البلاد.

مع انطلاقة الثورة عام 2011 كان وما زال الإعلام السوري -والتلفزيون خصوصًا- جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الأمنية والعسكرية للنظام، رغم بشاشة ورقة الشباب والشابات الظاهرين على شاشته، فشكّل الجانب الوردي المشرق من النظام، ملتزمًا إظهار البلاد دائمًا بأنها تحت السيطرة، مع وجود جيوب تخريبية هنا وهناك يتولى الجيش السوري مهمة القضاء عليها، مصطحبًا معه مراسلين تلفزيونيين لا ينقصون عنه وحشية وطائفية.

ومع التطور الحاصل على الساحة التقنية والاتصالات لم يعد ممكنًا إخفاء الواقع، ومع ذلك ظهر الإعلام النظامي كما قائده وحكومته مصابًا بانفصام الشخصية منفصلًا عن الواقع حتى قبل الثورة، وهنا يكمن مربط الفرس في ما وصل إليه هذا الإعلام اليوم، حينها لم يكن إلا ناقلًا لما تريده الأجهزة الأمنية حتى في نشرة الأحوال الجوية.

فالرسالة الأولى للإعلام هي تمجيد القائد وتأليه ظهوره وأفعاله ومراسيمه وإرادته، و إظهاره بمظهر «المانح المعطي» فكل مرسوم منه «منحة»، وكل راتب «أعطية» أعطاها القائد من فضله وكرمه، مع إبراز الجوانب والتحليلات الظاهرة والخفية لقيادته الحكيمة، حتى أنّ المتابع وقتها للأخبار والبرامج عبر شاشته أو صحفه، ذات الصوت الواحد، ليعتقد دون جدال أو شكٍ أنّ سوريا تحت حكم الأسد في مصاف الدول الكبرى والعظمى، وأن شخصية الأسد هي شخصية فريدة في التاريخ وعلى الساحة العالمية، وأن سوريا بفضل مواقفه الشجاعة والحكيمة متحكمة بالأحداث السياسية العالمية.

اختار الإعلام الأسدي عبر تاريخ «الحركة التصحيحية المزعومة وبعدها حركة التحديث والتطوير المفترضة» موظفيه وصحفييه بعناية فائقة، بشروط أهمها الولاء المطلق واحتراف الكذب والسجل الناصع لدى الأجهزة الأمنية وهذا ما أظهر الأعلام السوري أثناء الثورة بقمة الغباء والكذب، فلا يوجد بين كوادره إعلامي حقيقي. حتى مراسلي الوكالات الأجنبية كان يشترط عليهم الحصول على إذن وموافقة الأجهزة الأمنية، فحتى هؤلاء المراسلين كانوا من نفس الزمرة والمؤهلات.

كان أول واجبات الإعلامي السوري، كأي عنصر أمني، هي تقديس القائد الملهم، وفرض صورته المثالية في وعي ولا وعي وفكر الشعب، دون مراعاة أو متابعة لهموم المواطن وأخباره، ونقل هذه الهموم ومتابعتها أمام المسؤولين، وكشف تجاوزات هؤلاء المسؤولين، وإعطاء مساحة الحرية للمواطن، وهي الرسالة الأهم للإعلام في عصرنا، فأصبح هؤلاء الإعلاميين بمختلف مستوياتهم جزءًا من منظومة الفساد والإفساد.

فكان الإعلام منفصلًا تمامًا عن واقع المواطن الذي يعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تحصى فكانت هذه الهموم مغيبًا تمامًا عن هذه الوسائل التي من المفترض أن تكون صوتًا للمواطن وسلطة رابعة تدافع عنه وتكشف المقصرين والفاسدين فكانت برامجه عبارة عن تمثيليات مفبركة، ومسلسلاته انعكاس لثقافة مجتمع تخدم فكر الاستبداد السياسي والانحلال الأخلاقي.

عدا عن الجانب الطائفي البارز في وسائل الإعلام الرسمية عبر تاريخ النظام من خلال الوجوه أمام الشاشة وحتى على مستوى الموظفين العاديين وحتى في وسائل الإعلام المكتوب المسيطر عليه بشكل مطلق من النظام بكل حرف يكتب فكان أجهزة الإعلام صورة طائفية مصغرة عن وضع الجيش والمؤسسات الأخرى.

حاول الإعلام السوري أن يواكب التطور الحاصل على الساحة الإعلامية، ولكن هيمنة القبضة الإعلامية وانعدام الحرية واعتماده على إعلاميين وموظفين دخلوه بالمحسوبية بعيدًا عن أي جدارة، حالت دون تحقيق أي تقدم ولا نبالغ إذا ما قلنا بأن خطواته تسير إلى الوراء، حتى لدى مؤيدي النظام، في الوقت الذي حقق فيه الكثير من الإعلاميين والصحفيين السوريين نجاحات مبهرة خارج سوريا أو حتى في مناطق الثورة المحررة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد