لم يكن متوقعًا أو لم يكن بالحسبان أن ينتهي المطاف بالسوريين الأحرار إلى الشمال السوري المحرر، والخارج عن سيطرة النظام، مضت السنون، وانقضت الأيام من عمر الثورة السورية، في يوم من الأيام كان الثوار يسيطرون على مساحات شاسعة من الأراضي السورية بلغت بمقدار أكثر من 70 %، لكن السنين الماضية اختزلت الآن بالشمال السوري فقط.

درعا وأريافها، حمص، حلب، أرياف دمشق وحماة وإدلب ودير الزور والرقة وريف اللاذقية وغيرهم كلها كانت تحت سيطرة الثوار السوريين.

حشد النظام كل طاقاته في الأعوام الماضية سعيًا منه لاستعادة المناطق، واستعان بكل القوى التي كانت تسانده حينها بدءا من حزب الله اللبناني والحركات الشيعية من لبنان والعراق وأفغانستان، إضافة لأعداد هائلة من مرتزقته وشبيحته وغيرهم وصولًا للروس، لكن دون جدوى.

 في 7 مايو (أيار) 2014 في حمص: كانت أول عملية إجلاء لمقاتلين ومدنيين من مدينة سورية، حيث أُخرج 2400 شخص بينهم 900 مقاتل من المعارضة المسلحة مع أسلحتهم الخفيفة من أحياء مدينة حمص القديمة باتجاه بلدة الدار الكبيرة في الريف الشمالي لحمص، بعد حصار دام قرابة عامين، ومعارك استمرت أكثر من ثلاثة أعوام، أدت إلى دمار معظم أحياء المدينة القديمة، وكان الاتفاق وتنفيذه تحت رعاية وإشراف الأمم المتحدة.

كان اتفاق خروج مقاتلي حمص من أحيائها الأول من نوعه على الساحة السورية، ولم يكن متوقعًا أن تشهد الثورة السورية المزيد من اتفاقيات الخروج أو التهجير.

لكن النظام وبعد ذلك بأعوام استمر في تلك الاتفاقيات خاصة بعد دخول الروس بشكل فعلي للدفاع عن بقاء النظام في سبتمبر (أيلول) 2015، وباتت اتفاقيات التهجير تظهر أكثر وأكثر في الأعوام التي أعقبت عام 2014 حتى عامنا الحالي، لكنها تغيرت بمكانها وطريقة إبرامها، حيث باتت معظمها بشروط وضمانات روسية، وأحيانًا روسية – تركية.

 هجرت العديد من المناطق في مختلف أنحاء سوريا وكانت الوجهة واحدة “الشمال السوري” حيث ركز النظام ومن معه على تجميع كافة قوى المعارضة في الشمال السوري من أرياف حماة، مرورًا بإدلب، وصولًا حتى ريف حلب الشمالي.

ما هي المناطق التي هجرت إلى الشمال السوري ضمن اتفاقيات التهجير؟

حي الوعر: ديسمبر (كانون الأول) 2015

 بعد حصار دام أكثر من عامين لحي الوعر شمال غربي مدينة حمص، جرى التوصل إلى اتفاق هدنة أولي برعاية الأمم المتحدة بين قوات النظام السوري والمعارضة؛ مهد لخروج مسلحي المعارضة من الحي تجاه ريف إدلب.

ونص اتفاق حي الوعر على رحيل ألفي مقاتل ومدني من الحي، مقابل فك الحصار وإدخال المساعدات الإغاثية، بالإضافة إلى تسوية أوضاع المقاتلين الراغبين في تسليم سلاحهم.

وبدأ تطبيق الاتفاق بمغادرة نحو ثلاثمئة مقاتل من قوات المعارضة، ونحو 100 من عائلاتهم للحي إلى منطقة قلعة المضيق في ريف حماة الغربي، ومنها إلى مناطق سيطرة المعارضة في ريف إدلب.

داريا بريف دمشق: 26 أغسطس (آب) 2016

تم إجلاء 8 آلاف شخص من مدينة داريا بعد حصار دام قرابة أربعة أعوام، بموجب اتفاق مع النظام يقضي بتسليم المدينة إلى جيش النظام، حيث نقل حوالي 4 آلاف مدني إلى دور للإيواء في ريف دمشق، ونقل 700 مقاتل من المعارضة المسلحة برفقة عائلاتهم إلى محافظة إدلب، بعد أن رفض النظام نقلهم إلى أي جهة أخرى.

كانت أوامر النظام واضحة وقتها: اخرجوا وإلا ستنهال عليكم القذائف والحمم لتقتل من بقي منكم حيًا، وتهدم ما بقي صامدًا من منازلكم وشوارعكم.

عانت المدينة المحاصرة منذ أربعة أعوام، الحصار والجوع والقصف اليومي بمختلف أنواع الأسلحة، وتعرضت خلال الحملة عليعا  لتصعيد غير مسبوق من قبل قوات النظام التي لم تترك سلاحًا إلا ووجهته ضدها، وهو تصعيد لم يترك الكثير من الخيارات أمام أهلها الذين أنهكتهم الحرب.

خان الشيح وزاكية بريف دمشق: 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016

 تم نقل أكثر من 2900 شخص، بينهم 350 مقاتلًا من المعارضة المسلحة، مع أسلحتهم الفردية الخفيفة، من خان الشيح وزاكية ومحيطها باتجاه محافظة إدلب، بعد حصار استمر نحو ثلاثة أعوام، كما تم نقل أكثر من 4 آلاف مدني، معظمهم نساء وأطفال، إلى مراكز إيواء في ريف دمشق، ومعظم المهجرين كانوا من سكان مخيم خان الشيح للاجئين الفلسطينيين.

قدسيا والهامة بريف دمشق: 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2016

 نُقل 2500 شخص بينهم 350 مقاتلًا من المعارضة المسلحة من مدينتي قدسيا والهامة المتاخمتين للعاصمة دمشق من الجهة الغربية إلى محافظة إدلب، وقد سمح للمقاتلين بالاحتفاظ بأسلحتهم الخفيفة فقط، بينما سلمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة لقوات النظام.

المعضمية بريف دمشق: 19 أكتوبر 2016

 تم نقل نحو 2900 شخص من أهالي المعضمية بينهم 700 مقاتل من المعارضة المسلحة إلى محافظة إدلب، بعد حصار دام قرابة ثلاثة أعوام، وأدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية، كما نُقل قرابة ثمانمئة مدني إلى مراكز إيواء في ريف دمشق

التل بريف دمشق: 2 ديسمبر 2016

 تم إجلاء نحو 4 آلاف شخص بينهم قرابة 500 مقاتل بسلاحهم الفردي إلى محافظة إدلب بعد حصار استمر قرابة عام؛ أدى إلى تدهور كبير للأوضاع الإنسانية لنحو 800 ألف مدني، معظمهم نزحوا سابقًا من مناطق أخرى إلى المدينة ومحيطها، وشمل الاتفاق تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة لقوات النظام.

حلب: نهاية ديسمبر 2016

 تم تهجير نحو 50 ألف مدني، بينهم قرابة 7 آلاف مسلح من المعارضة مع سلاحهم الفردي، إلى ريف حلب الغربي وإدلب شمالي سوريا، وذلك تحت إشراف روسي تركي بعد حملة عسكرية كبيرة جدًا، لم تفرق بين الحجر والبشر، وأدت لمقتل العديد من المدنيين.

وادي بردى: 29 يناير (كانون الثاني) 2017

 بعد 38 يومًا من المعارك، جرى الاتفاق على تسليم منطقة وادي بردى بريف دمشق للنظام وخروج نحو 2100 من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم مع سلاحهم الفردي، بينهم 70 جريحًا، حيث نُقلوا إلى إدلب شمالي سوريا.

اتفاق المدن الأربع (الزبداني ومضايا-كفريا والفوعة): 12 أبريل (نيسان) 2017

وقّع الاتفاق في سبتمبر 2015 بين هيئة تحرير الشام، والجانب الإيراني وحزب الله اللبناني وقوات النظام من جهة أخرى، وبدأ تنفيذه في أبريل 2017.

ونص الاتفاق على نقاط تضمنت تبادل للأسرى والجثث بين جيش الفتح والمليشيات الموالية للنظام الموجودة في بلدتي كفريا والفوعة، وإخراج قرابة 3 آلاف شخص (الراغبين فقط) من مضايا والزبداني وبلودان إلى الشمال، وإخراج 1500 معتقل من سجون النظام معظمهم من النساء.

كما يتضمن الاتفاق إدخال مساعدات، إضافة إلى هدنة في مناطق جنوب دمشق وأولها مخيم اليرموك المحاصر، وبعد مدة شهرين يتم إخراج المحاصرين في مخيم اليرموك إلى الشمال.

وينص الاتفاق أيضًا على حل قضية 50 عائلة عالقة في لبنان من أهالي الزبداني ومضايا، وفي المقابل إخراج 8 آلاف شخص من بلدتي كفريا والفوعة بريف إدلب، بينهم مقاتلون من المليشيات الموالية للنظام، لكن القضية الأبرز كانت قضية المختطفين القطريين لدى حزب الله العراقي، حيث تم الكشف مؤخرًا عن قيمة الصفقة التي قبضت من خلالها تحرير الشام ملايين الدولارات وظهر في القضية أيضًا أسماء لقيادات كبيرة إبرانية وعراقية أبرزها رئيس الوزراء العراقي العبادي والقائد في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني.

عام 2018 كان عام المفاجآت بالنسبة لمثل هذه الاتفاقيات، سقطت مناطق كانت تعد قلاعًا لقوى المعارضة والثوار، تزامن مع خروج ما بات يعرف في صفوف السوريين بالضفادع، كل شخص يسهل عملية اتفاقيات التهجير مع النظام ضمن ما أصبح يعرف بالمصالحات.

الغوطة الشرقية والقلمون: مارس 2018

 بعد حصار طويل امتد لستة أعوام شنت قوات النظام السوري مدعومة بالطيران الروسي حملىة عسكرية تعد الأكبر منذ انطلاق الثورة السورية، استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة في كافة مناطق الغوطو  حتى المحرمة دوليًا، منها السارين في دوما؛ ما أدى لقتل أكثر من 1630 مدنيًا، بينهم 330 طفلًا على الأقل. وانتهت الحملة باتفاق تهجير لمقاتلي المعارضة  وعوائلهم والمدنيين الرافضين للمصالحة إلى مناطق جرابلس وإدلب بالشمال السوري، حيث خرج من الغوطة ما يقرب من 50 ألفًا من مدنيين وعسكريين، وتم تسليم السلاح الثقيل والمتوسط لقوات النظام.

يلدا وببيلا وبيت سحم: مايو 2018

تم خروج ما يقرب من 17 ألفًا بين مدني وعسكري من البلدات الثلاث جنوب دمشق، وكانت الوجهة إلى مدينتي إدلب وجرابس شمال سوريا.

ريفي حمص الشمالي وحماة الجنوبي: مايو 2018

بعد اتفاق الغوطة الشرقية  وبعد حصار طويل أيضًا شنت قوات النظام بدعم روسي أيضًا هجومًا على قوات المعارضة في ريفي حمص الشمالي (الذي كان محطة لمهجري مدينة حمص كما أسلفنا) وحماة الجنوبي انتهى باتفاقية تهجير جديدة  خرج بموجبها ما يقرب من 18 ألف مهجر من الريفين من عسكريين ومدنيين مع تسليم السلاح الثقيل والمتوسط.

درعا والقنيطرة : يوليو (تموز) 2018

مع الحملة المستمرة على محافظتي درعا والقنيطرة ودخول عدد كبير من المدن والبلدات ضمن ما يسمى باتفاقيات المصالحة، واستمرار المعارك في بعض من مناطقها رفض عدد من المقاتلين والمدنيين تلك الاتفاقيات، وتم نقل ما يقرب من 1800 شخص حتى اليوم  من مناطق درعا والقنيطرة باتجاه ريف إدلب ومن المرجح ازدياد الأعداد في الأيام القادمة.

كل الاتفاقيات السابقة تندرج تحت إطار التغيير الديموغرافي في بنية المجتمع السوري وتكوينه السكاني، حيث يعتمد النظام على توطين الميليشيات التي ساندته في المناطق التي هجر سكانها منها لاسيما محيط مدينة دمشق، حيث أسكن النظام آلاف من المقاتلين الشيعة الذين قدموا من لبنان أو العراق أو أفغانستان وبالأخص في منطقة السيدة زينب وجنوب دمشق.

كل المناطق التي ذكرناها آنفا كانت وجهتها الشمال السوري، من قلعة المضيق في ريف حماة حتى الحدود السورية التركية في ريفي حلب وإدلب ،حيث بات الشمال السوري مجمعًا كبيرًا لكل معارضي نظام الأسد، حيث يقدر عدد السكان الحاليين في إدلب بما يقرب من 3 ملايين نسمة، وباتت الأعين اليوم موجهة باتجاه مصير الشمال السوري المحرر، وكثرت التحليلات حول مصير الشمال السوري، لكن التفاهمات الدولية لاسيما بين تركيا وروسيا، ضامني أستانة، تشير إلى عدم تكرار روسيا والنظام تجاربهما السابقة في اتفاقيات التهجير خاصة بعد تحذير الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره الروسي فلادمير بوتين أن أي هجوم على الشمال السوري سيهدم اتفاقية أستانة؛ ما يدل أيضًا على أن الشمال سيبقى تحت وصاية تركيا، خاصة أنها هي من يسيطر على مناطق عديدة ضمن عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون.

لكن السوريين اليوم يردون على هذا التحذير بقولهم: ماذا بقي من أستانا وخفض التصعيد أصلًا؟ ألم تكن حمص والغوطة ودرعا ضمن اتفاقيات خفض التصعيد؟ في إشارة واضحة منهم أن نظامًا كهذا لا يؤمن جانبه باتفاق، وأن الغدر من أبرز صفاته.

لكن التطور الأكبر الذي حصل في الشمال السوري حاليًا هو توصل هيئة تحرير الشام من جهة وإيران من جهة أخرى لاتفاقية تقضي هذه المرة بتهجير أهالي بلدتي كفريا والفوعة آخر معاقل قوات النظام بالقرب من إدلب إلى مناطق تخضع لسيطرة النظام ربما يكون ذلك دليلًا واضحًا على عدم نية النظام الاقتراب من إدلب، وأنه استكمال لمشوار التغيير الديمغرافي الذي دأب عليه النظام طيلة الأعوام السابقة وصولًا ليومنا هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الجزيرة أورينت صفحات الثورة السورية
عرض التعليقات