ليس كل ما يستحق القراءة يصل إلينا، وليس كل ما يصل إلينا يستحق القراءة. كثير من كتاب وموهوبين كتبوا في مجالات مختلفة لم تنل كتاباتهم القدر الكافي من الصيت، رغم الأثر الذي تتركه في ذلك المجال ورغم كل ما تستحق، وترجع هذه الظاهرة لأسباب كثيرة، ليس أولها محدودية عدد القراءة في المجتمع أو الفترة التي يكتبون فيها، وليس آخرها تهافت القراء على قوائم أكثر الكتب مبيعًا ذات الطبعات الفاخرة والعناوين الطنانة والتي غالباً ما تكون خالية من أية قيمة فكرية تذكر، ولا تستحق الوقت الذي يهدر بقراءتها.

هنا سأذكر أربعة أدباء سوريين كان لهم أثر كبير في تكوين الرواية العربية المعاصرة من خلال أعمالهم التي أبدعوها، على الرغم من عدم امتلاكهم لذلك الصيت الذائع، إلا أن أثرهم في الأدب العربي عمومًا والرواية خصوصًا لا يمكن التقليل من شأنه، سواء شاطرتني الرأي أم لا؛ فبأعمالهم تلك التي أبدعوها أغنوا الرواية العربية بتجارب خالدة عززت الجانب المشرق في هذا الفن وأعطته بعدًا جديدًا.

 

هاني الراهب:

المولود في اللاذقية 1939، وحامل إجازة في الأدب الإنكليزي من جامعة دمشق، تابع دراساته العليا في الجامعة الأمريكية في بيروت ثم نال الدكتوراه من لندن، انتقل للعمل في دولة الكويت ثم عاد إلى دمشق ليستقر مع عائلته فيها حتى وفاته عام 2000.

أولى أعماله الأدبية كانت رواية “المهزومون” التي كتبها عام 1960 خلال ثلاثين يوم متتالية؛ حيث لم يزل طالبًا جامعيًا، ونالت وقتها الجائزة الأولى من بين مئة وخمسين رواية في المسابقة العربية للرواية في بيروت، والتي كانت من تنظيم دار الآداب. ثم صدرت روايته الثانية “شرخ في تاريخ طويل”، ثم رائعته “الوباء” التي حصلت على جائزة اتحاد الكتاب العرب، وصنفت كواحدة من أعظم مائة رواية صدرت في القرن العشرين، وتتالت بعد ذلك إصداراته “بلد واحد هو العالم”، “التلال”، “ألف ليلة وليلتان” ثم مشروعه الروائي خماسية كل نساء المدينة والذي صدر منه “خضراء كالمستنقعات”، “خضراء كالحقول”، “خضراء كالبحار”، “خضراء كالحب” ثم الجزء الخامس الذي صدر بعد وفاته “خضراء كالعلقم”.

يعتبر الراهب من الروائيين المجددين، عمل على تطوير التقنيات الروائية السردية واللغوية في الرواية السورية والعربية عمومًا، وقد شكلت أعماله نقطة فارقة في مسيرة الرواية العربية؛ حيث يعد من المؤسسين للرواية العربية المعاصرة وأحد أعمدة هذا النوع الأدبي حديث العهد. من البداية رفض النموذج الكلاسيكي للرواية وسعى لخلق قالب جديد يناسب الواقع المعاش، ويظهر هذا بوضوح في شخصياته التي تتقلب بين رغباتها الشخصية وواجبها تجاه أعراف مجتمعها، وكان يرى الراهب أن الأدب يجب ألا يقدم للناس ضمن قوالب معدة مسبقًا، بل يجب أن يبقى متغيرًا كما الحياة والواقع المعاش، ويلبي حاجة المجتمع للتغيير. سعى في كتاباته إلى إيصال صوت أبناء جيله بما فيه من بؤس وخيبة وعذاب وتصدع وانكسار إلى العالم، يظهر هذا جليًا في قصته “الخامس الدائم من حزيران”.

سُئل الراهب ذات مرة عن جائزة نوبل وموقفه منها فأجاب: بالنسبة لجائزة نوبل أنا لست مرشحًا لها، والذي كتبته حتى الآن ثماني روايات، اثنتان منها فقط جديرتان بالقراءة، والست الأخريات لا بأس بهن، وهذه الجائزة إذا استثنينا منها الجانب المالي الشيء الإيجابي الوحيد فيها، فهي جائزة سيئة السمعة جدًا نظرًا لتدخل السياسة فيها، بعيداً عن الاعتبارات الثقافية، ومن ذلك بشكل خاص ترويجها لقيم إمبريالية ورأسمالية لا تناسبني أنا العربي الذي أعتز بتراثي وحضارتي.

 

بديع حقي:

من مواليد دمشق 1922 نال إجازة في الحقوق من جامعة دمشق ودكتوراه في الحقوق الدولية من باريس. عمل في وزارة الخارجية كسفير في عدد من الدول وبحكم عمله هذا أتقن العديد من اللغات.

بدأ مشواره الأدبي في سن مبكرة حيث كتب في الصحف والمجلات المحلية منذ عامه الثاني عشر، أولى أعماله الأدبية كان ديوانه الشعري “سحر” والذي لم يصدر غيره لأسباب خاصة كما كان يقول، ثم انتقل إلى القصة والرواية والتي وقع في غرامها: لئن هجرت الشعر وهجرني لأسباب خاصة لا أحب الخوض فيها، لقد وقعت في غرام الرواية والقصة ووجدت تعويضًا مما فقدت ولم أعد إلى الشعر إلا لمامًا، بيد أنني ما زلت أحن إليه متقدًا وعذري في هذا التقصير أن نثري يدخر جمالية الشعر وموسيقاه“.

وبحكم عمله الدبلوماسي كسفير منحه الاغتراب في بلدان شتى مجالاً ليجمع بين ثقافته العربية وثقافات أجنبية عديدة أغنت خياله الأدبي وعززت خبرته المعرفية والثقافية، حيث يتسم أسلوبه بالأناقة ويمتلك براعة في جعل الكلمات موسيقى تنساب.

من الكتاب من تقرأ أدبهم فيخيل إليك أن دفق عاطفتهم أقوى من دوي كلامهم، فيشعرك بكتاباته أن حلته التعبيرية مفصلة على قدر تجربته ومشاعره، فإذا تألق أسلوبه وشعت ألفاظه وتقابلت عباراته فما ذاك إلا لأن صورة تجربته في أعماق ذاته صافية وإيقاع مشاعره بيّن لا لبس فيه، ومن حق تلك التجربة الشعورية أن تتألق أو ترف أو تلامس أو تكوي أو تحفز أو تثير؛ إلى طبقة هؤلاء الأدباء المبدعين ينتمي الدكتور بديع حقي هذا ما قاله الدكتور حسام الخطيب في تقديمه لكتاب حقي “حين يورق الحجر” الذي يضم مجموعة من مقالاته.

يذكر أن وظيفته الدبلوماسية مكنته من إتقان لغات عدة، حيث استثمر ذلك في ترجمة بعض الآثار الأدبية الرفيعة إلى العربية حيث ترجم حقي ما يقارب 11 كتابًا، أما مؤلفاته فقد بلغت 14 عملاً، منها “التراب الحزين”، “أحلام الرصيف المجروح”، “قمم في الأدب العالمي”، “الشجرة التي غرستها أمي”، “همسات العكازة الحزينة” وغيرها من المؤلفات والتراجم. توفي في باريس عام 2000.

 

حيدر حيدر:

الكاتب والروائي السوري من مواليد مدينة طرطوس عام 1936، أولى ميوله الأدبية ظهرت خلال دراسته في معهد المعلمين التربوي في حلب حيث نشر قصته الأولى في إحدى الصحف المحلية.

صدرت مجموعته القصصية الأولى “حكايا النورس المهاجر” عام 1968 حيث ضمت عدد من القصص التي كان قد نشرها سابقـًا في مجلة الآداب اللبنانية. شارك حيدر في تأسيس اتحاد الكتاب العرب وكانت مجموعته القصصية “الومض” إلى جانب إصدارات أخرى أولى إصدارات الاتحاد. عام 1970 سافر إلى الجزائر ليشارك في ثورة التعريب أو الثورة الثقافية كما يسميها بعضهم، ثم عاد إلى لبنان وانضم للمقاومة الفلسطينية خلال الحرب اللبنانية وصدر له أثناءها “التموجات والوعول” وأعيد نشر رواية “الزمن الموحش”.

غادر ثانيةً لبنان إلى قبرص حيث عمل في مجلة الموقف الأسبوعية ثم عاد إلى لبنان، وبعد رحيل المقاومة الفلسطينية إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عاد إلى قبرص حيث صدر له رواية “وليمة لأعشاب البحر”، الرواية التي أثارت جدلاً واسعًا خاصة في الأوساط الثقافية الإسلامية على خلفية كثير من العبارات التي ذكرت على لسان أبطال هذا العمل ووصفت بأنها تطاول على الدين الإسلامي والذات الإلهية، مما أدى إلى منع هذا العمل من النشر والتداول بعدد من البلدان العربية منها مصر؛ حيث منعها الأزهر بدعوى الإساءة للإسلام، كما رفعت ضدها دعوى قضائية لدى القضاء المصري للسبب ذاته، إلا أن القضاء المصري برأها عام 2000 بدعوى أنها شكل من أشكال التعبير عن الواقع السياسي والاجتماعي القائم في تلك الفترة.

يوصف حيدر حيدر من قبل بعضهم بأنه كاتب منبوذ بسبب عمله هذا، إضافة إلى تحيزاته الفكرية الواضحة في كثير من أعماله، حيث يبدي تعاطفًا واضحًا للفكر الشيوعي الماركسي الذي يتبناه. وعلى الرغم من تمرده العلني على كل أشكال السلطة الأخلاقية والاجتماعية والدينية يعتبر حيدر أحد أهم رواد الرواية العربية ومجدديها، حيث لديه الأدب هو ترجمة صادقة للواقع وكشف للمستور وفضح للمسكوت عنه، تابع بأدبه الجريء واقع الإنسان العربي بعذاباته وخيباته بكل تفاصيل حياته اليومية، بعيدًا عن النفاق الاجتماعي والتستر على العورات الاجتماعية وتَجنب كل أشكال تغليف التخلف والقمع والقهر والذل المكبوت الذي يمارس في أدب كتاب آخرين وتلميعهم. ترجمت بعض قصصه إلى عدد من اللغات الأجنبية منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والنرويجية والإسبانية، ونوقشت بعض أعماله في رسائل جامعية للدراسات العليا في عدة جامعات عربية.

 

حنا مينا:

من مواليد اللاذقية عام 1924، ولا أظن أني أبالغ إن قلت إنه الروائي الأكثر شهرة من بين هؤلاء. هو العاشق المغرم بمدينته اللاذقية ويعد بحرها ملهمه الأول، عمل في بداية حياته في العديد من المهن.

أما بداياته الأدبية فقد كانت متواضعة؛ حيث كتب المقالات والقصص القصيرة وعمل في جريدة الإنشاء حتى أصبح رئيس تحريرها، حياته الأدبية الفعلية كانت بكتابة مسرحية “دنكشوتية” ولكنها ضاعت من مكتبه، فاعتبر ذلك فألاً سيئًا وانتقل إثر تلك الحادثة لكتابة الرواية، أولى رواياته كانت “المصابيح الزرق” عام 1954 ثم توالت أعماله بعد ذلك وأنُتج منها كثير كأفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية. يصف حنا مينا نفسه بكاتب الكفاح والفرح الإنسانيين ويقول إن الكتابة هي أقصر الطرق للتعاسة الكاملة. أما عن تعلقه بالبحر فيقول: “إن البحر كان دائمًا مصدر إلهامي حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، أنا البحر فيه ولدت وفيه أرغب أن أموت، تعرفون معنى أن يكون المرء بحارًا؟

من أعماله: “الياطر”، “نهاية رجل شجاع”، “حكاية بحار”، “الثلج يأتي من النافذة” وغيرها؛ كتب بإبداع وجودة منقطعة النظير حيث أغنى الرواية العربية، وأضاف للمكتبة العربية كثيرًا من الأعمال التي مازالت تشهد على إبداع هذا الكاتب الفذ بأسلوبه الآسر ولغته التلقائية التي تنساب في كتاباته، يجعلك تشعر مرغمًا عنك وكأنك أحد أبطاله. من الجوائز التي نالها جائزة المجلس الأعلى للثقافة والآداب والعلوم بدمشق عن رواية “الشراع والعاصفة”، جائزة المجلس الثقافي لجنوب إيطاليا فازت بها رواية “الشراع والعاصفة” كأفضل رواية ترجمت للإيطالية، جائزة الكاتب العربي من اتحاد الكتاب المصريين اعترافًا بموقعه المتميز على خريطة الرواية العربية.

يُصنف حنا مينا من قبل كثير من النقاد بأنه أبرز الروائيين العرب بعد المصري نجيب محفوظ. ثمانية من روايات حنا مينا عن البحر؛ حيث تتجلى المساهمة الأكبر له في ما بات يعرف بأدب البحر، هذا النوع الأدبي النادر الوجود في أدبنا العربي، ويشير أحد الباحثين بأن البحر في أدب حنا مينا إنما هو مكان وإنسان وإله، تتعرف إليه مادة وروحًا وتصطاده رمزًا وأسطورة وتقرأه فلسفة لمعنى الحياة ذاتها، حيث البحر بالنسبة له مغامرة وتجربة وارتياد للمجهول. وقد تخطت أعمال حنا مينا حدودها القومية مقتحمة ميادين الثقافات الأخرى عبر الترجمة، حيث ترجمت أعماله لما يقارب سبعة عشر لغة، ومنها ما درس في جامعات عالمية.

يذكر أنه تناقلت بعض وسائل الإعلام مؤخرًا خبر وفاته إلا أن ابنه الممثل سعد مينا نفى ذلك. وكتب حنا مينا في وصيته عام 2008 طالبًا ألا يذاع خبر وفاته في أية وسيلة إعلامية، وألا تجرى له أية مراسم دفن أو تأبين لأن الكلام الذي سيقوله الناس في هكذا مراسم سبق وقيل في حياته حسب ما ذكر في وصيته. حيث جاء فيها:

عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلة إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطًا في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطًا في مماتي، وليس لي أهل لأن أهلي جميعًا لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء أن يتحسروا علي عندما يعرفونني بعد مغادرة هذه الفانية، أعتذر للجميع أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي في أي قبر متاح ينفض الجميع أيديهم ويعودون إلى بيوتهم فقد انتهى الحفل وأغلقت الدائرة. لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ وهذا هو الأهم، وأشدد لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي سمعته في حياتي وهذا التأبين وكما جرت العادات منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، أستغيث بكم جميعًا، أن تريحوا عظامي منها“.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد