أحمد معاذ الخطيب في رسالته الأخيرة إلى بشار أسد

لاشك أن السمة الرئيسة والسائدة لحالة الشعب السوري عامة تتراوح بين نغمة الرضا والانفعال أو الرفض والاحتقان بيد أن تلك الأوصاف الشائعة لا تلزم العقلاء والنخب ولا تحملهم على مسايرة هذه السمات الشائعة، ولكن هذا لا يجيز أبدًا أن تتمتع القيادات بالتعالي أو بالنزول إلى مستوى ما يطلبه الجمهور.
هناك نمط زائف يعيش في تفكير الكثير من السوريين نمط يتجاوز الألم الجاثم والريح التي تتلفح بالدم والنور الذي يلفه الظلام والوقت المشؤوم المحمل بالإملاء.
نمط لا يفكر بهذا الواقع فيتحكم فيه، بل يتجاوز الواقع فيجعل من الواقع المأزوم من يتحكم بالتفكير فيجعل من التفكير تكفيرًا، ومن الحل جزءًا من المشكلة وليس حلًا لها.
إن ذلك التفكير يمكن أن نسميه بـ(التفكير القافز) فوق الواقع وهو تفكير سلبي يحاصر نفسه (فيما ينغي أن يكون متجاوزًا ما هو كائن).
ويتجلى ذلك من خلال رفض أي مبادرة عاقلة أو تفكير يحاول البحث عن تفكير غير مأزوم.
أطل الخطيب على شعبه السوري في رسالة مصورة إلى بشار الأسد بتاريخ 28 مارس (آذار) 2019. أحدثت مشاركته نشاطًا في الجو العام وردود أفعال متباينة وتفاعل الوسط السوري ما بين مخوّن ومرحّب.
كانت الحاجة إلى قيادة تكسر الصمت والعجز ضرورية لا تقل عن حاجة التائه في صحراء لاهبة قيظها ينفث سعيرًا وظلها من يحموم وهو يلهث ظمآنًا يود لو يشتري بنصف عمره قطرات من ماء تبلل شفتيه المحمومتين وتروي صداه.. كانت كلمات الخطيب واحة راحة لنفسية المعذبين من السوريين فالشعب السوري قد يختلف في تقييم رؤية الخطيب السياسية، لكنهم يتفقون على مصداقتيه إلا من تحزب وجعل من الحزبية دينًا من آمن بحزبه نجا ومن كفر فقد كفر.
كان الخطيب موقنًا بأنه يقوم بمحاولة أمينة ونزيهة لإيجاد توازن في قضية الشعب السوري المعلقة على مزاج الإرادات الدولية كما أنه يرفض استدامة حالة الصراع الدائم الذي أفضى بسوريا إلى الاحتراق والتدمير.
يعول الخطيب على الفضاء الاجتماعي السوري المحمول في اللغة وآدابها والجلي في الآثار المتوارثة العاقلة والعلوم الدينية والفقهية السائرة، وفي نفوس الأحرار من السوريين الذين يرفضون الارتزاق بالمآسي.
الشعب أحــوج ما يكون عند النازلة إلى أهل الثبات والرسوخ أكثر من أهل السياسة والخطابات لقد وجه الخطيب كلماته بكل قوة إلى روح الشعب ليحملها على الارتقاء والصبر والأمل.
وجه الخطيب سهام النقد إلى تيارات عديدة حاملة لمشروع الثورة بواجهات عديدة في مشاربها، ومستعرضًا معاناة السوريين التي طالها الاستبداد والفقر والفساد، حيث أكد أن الأزمة التي تعيشها سوريا يتحمل القسط الأكبر في المسؤولية عنها فساد الرأس السياسي والتواطؤ الدولي والعجز في المعارضة.. في كلمته أكد الخطيب على وجوب التحرر من التبعية والاستقلال السياسي، والتي تتجلى في مبادئ الحضور والاعتراف والأصالة الذاتية.
وقد وقف الخطيب بين ماهو مقبول وماهو مرفوض في السياسة وحاول تمييز اللغط المتألي من الفهم المتأني للواقع، واجتهد في العثور على المنطق الذي يفرق الخبيث من الطيب في المواقف، وناقش التسلط الدولي والعجز الداخلي سواء عند النظام أم عند المعارضة. كانت الرسالة تتجاوز فكرة خذهم بصوتك ولا تعمل، بل جال الخطيب في رسالته في عمل أشبه بالفدائي حيث كان توقيت الرسالة مناسبًا بعد أن اعترى الشعب السوري الخور فبعث الروح المتفائلة بنهاية بشار المؤجلة من جديد في عامة الشعب السوري، وعمل على التأكيد على عدالة قضية الشعب السوري، وتفكيك جبهة النظام من خلال زعزعة التوافق، وإظهار أن ثمة عقلاء من النظام مغلوب على أمرهم، ويمكن إن أتيح لهم الظرف الانقلاب على رأس الحكم. زرع التشكيك بحكمة بشار، وتنبأ بالنهاية السيئة لنظامه. استعاد فكرة الحل السياسي، ونادى باستعادة استقلالية القرار السوري السوري.إحياء فكرة الحوار وإمكانية البحث عن مخرج.
تميز خطاب الخطيب بالنقد النسبي للأجسام الثورية السورية من دون إجحاف، وتجريد رأس النظام من أي هيبة، ومحاورته من دون أي تجاوز أخلاقي أو سياسي، والتأكيد على سلمية وعدالة الثورة السورية وعلى رفع مستوى الوعي السياسي عند الشعب السوري.
لغة توافقية من أكبر رموز المعارضة إلى الشعب السوري بكل توجهاته. مخاطبة حاشية الحكم والحاضنة السلطوية بما ينمي عندهم إرادة التخلص من بشار لفساد إدارته ولنهاياته المؤكدة. بيان الهلاك المؤجل والمرتقب للنظام وقد يكون بيد حلفائه، وأن سنن الله غلابة فالظلم لن يدوم. لفت نظر المعارضة إلى أن خطاب المنطق والإنسانية والبحث عن حل هو الواجب والفرض.. غالب الاعتراضات التي جاءت على ماقاله الخطيب تدور فيما ينبغي أن يكون وتقفز فوق الواقع، أي أنها تداعب أحلام الانفعالات وتهبط بالوعي عن مستوى الواقع إلى ما دونه، وتتجاوز الواقع فلا تصل إلى ما ينبغي أن يكون.
هناك مقتل كبير عند الكثيرين من المعارضين، وهو أنهم لم يتعرفوا على الواقع الذي يحكي قصة «بشار باق ويتمدد»، وأن الحل في البحث عن وقف المأساة، وأن المراهنة على الخيال حرام، وأن إسقاط بشار لا يعتمد على العسكرة فحسب، فقد ثبت فشل الثورة عسكريًا، وإنما من خلال البحث عن حل يتوافق عليه السوريون، وأيضًا بالتفاوض مع النظام مباشرة.

سيعترض البعض ويقول: «الآن بعد كل هذه الدماء!» وهذا ما سيقوله أيضًا المقربون من النظام، وهو اعتراض واه لا قيمة له، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أقام صلح الحديبية وعقده في شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة (مارس 627م) بين المسلمين وبين مشركي قريش، وبمقتضاه عقدت هدنة بين الطرفين مدتها عشر سنوات، وكان ذلك بعد غزوة أحد التي أفضت إلى تصفية أقرب الناس إلى الرسول.
إن ما ينبغي أن يكون هو إعدام بشار، ولكن ما هو كائن أن الكثير من الدول تمنحه شرعية، وهذا يتطلب منا التفكير الجدي في البحث عن حل، وقراءة المشهد والأهداف مرارًا، والنظــر في الأهداف والمشـاـريع المنشــودة، ومحلها من حيــز الإمكان، فإن بعض المشاريع غير ممكنة، ومع ذلك يوجد من يروج لها. ولذا فلابد من النظر في مدى واقعية الأهداف في نفســها، وكذلك في الأدوات والوســائل التي يتوصل بها إليها، لقد حمل الخطيب مسؤوليته كمواطن في مؤازرة شعبه، وأن يكون من فرق الإسعاف لا ممن يوقد النار. إن الحالة السورية يمكن وصفها بأنها «نزاع مسلح مدَّول» Internationalized Armed Conflict وهو من أعقد أنواع النزاعات.
في ربيع الديمقراطية يكون الحكم سلطة للشعب، وفي لظى الاستبداد يصير الحكم تسلطًا على الشعب، وحيث توجد الديمقراطية يوجد الشعب، وحين تختفي وتغيب يوجد القطيع. إنها كلمات تعكس الواقع الذي ينبغي أن يكون والواقع الكائن.. وفارق كبير بين حل يبني على الواقع وبين حل يتجاوز الواقع.
وفي ظل غياب الحل السوري أو الدولي لما يحصل في سوريا، في صورة تفصح عن عجز المعارضة، وجهل النظام وتوحشه، وتباطؤ الإرادات الدولية، تأتي مبادرة الخطيب، وفي ظل غياب الحلول الجوهرية لهذه المعضلة تأتي مبادرة الخطيب البديل لسدّ الفراغ في مثل هذه الأحوال، رغم أنها ليست حلولًا جازمة، لكنها كلمة رجل موجوع يقدم على عمل فدائي، فقط.. فقط.. فقط.. من أجل سوريا لكل السوريين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد