في بداية عام 2019 قارب عدد اللاجئين السوريين 6.6 مليون موزعين في 45 دولة حول العالم، تستحوذ تركيا على أكبر حصة، إذ تشير معظم الأرقام إلى وجود ما يزيد عن 3.5 مليون سوري على الأراضي التركية، يواجه هؤلاء اللاجئون موجات متتالية من التقييم والتصنيف، والتي غالبًا ما تتمحور حول عد اللاجئ عبئًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا في المجتمع التركي المضيف، وهناك بعض الأصوات – على ضعفها- التي تشير إلى إمكانية عدهم موردًا بكل ما يمتلكه من رأسمال نفسي واجتماعي وفكري، لذا يستوجب التفكير بالتعايش والاندماج.

والملفت في مشهد اللجوء السوري هو الظهور الواضح للنشاط الريادي والاستثماري، وبالرغم من كل التحديات والصعوبات المجتمعية والقانونية والنفسية، وقد أكون مبالغًا حين أطلق حكمًا بأن نشاط اللاجئ السوري الريادي غيّر النظرة النمطية إلى اللاجئ عمومًا، من خلال فرط النشاط، والفاعلية العالية، والمشروعات الابتكارية؛ للتأقلم مع ظروف اللجوء، وتأمين سبل العيش الكريمة، إذ توجد أرقام وإنجازات تدلل على الحالة الريادية لدى هؤلاء اللاجئين المتكئين على رأس مالهم النفسي والشخصي، والذي يعد المستند الأساسي للريادة والابتكار في تكوين الأعمال واستمرارها.

يشير تقرير أصدره مركز أبحاث السياسات الاقتصادية التركية في نهاية العام 2018؛ إلى أن السوريين أنشأوا أكثر من 10 آلاف شركة في مختلف القطاعات منذ قدومهم إلى تركيا في العام 2011 – أي بمعدل أربع شركات يوميًّا- نحو 7 آلاف شركة منها مرخّصة ومسجلة رسميًّا لدى الجهات المعنية، بينما يتوقع أن البقية غير مرخّصة ترخيصًا كاملًا، وليس لها وجود في السجلات الرسمية، أو ما زالت في طور التسجيل والتقنين، وبحسب التقرير نفسه، تركزت أكثر الشركات السورية في مدينة إسطنبـول، التي احتلت المركز الأول لاستثمارات السوريين، تلتها مدن أخرى على رأسها مدينة غازي عينتاب، التي تعد من أكثر المدن التركيـة احتضانًا للاستثمارات والصناعات السورية؛ بسبب موقعها الجغرافي على الحدود بين تركيا وسوريا، مما سهل عبور الكثير من الخبرات والأعمال ورؤوس الأموال، بالإضافة إلى حالة التوأمة والتشابه مع حلب الشهباء العاصمة الاقتصادية لسورية، وما تقدم شكّل مناخًا ملائمًا لبروز المهارات الريادية الفردية، بالإضافة إلى ريادة المشروعات، فكيف استطاع اللاجئ السوري إظهار هذه القدرة العالية على فهم محيطه، وتعامل مع ظروف اللجوء بإيجابية عالية ومرونة، وكيف استثمر أفضل ما لديه من قدرات لتأمين سبل العيش الكريم، لو لم يكن رياديًّا ناجحًا، ويمتلك شخصيًّا ونفسيًّا ما يؤهله لأن يكون متميزًا ورائدًا في طريقة اختياره لأعماله وإدارتها، إذ يمتلك من الطاقة الوجدانية الإيجابية ما يمكّنه من المبادرة والتكيف مع أحلك الظروف.

والسؤال المطروح هل يمكن إسقاط «مفهوم ريادة الأعمال» على الأعمال التي أبدعها السوريون في بيئة لجوئهم؟ وهل يمتلكون جينات ومشاعر ريادية قادتهم إلى هذا الابتكار في أعمالهم ومشروعاتهم؟ قد عرّف (Hisrich & Others, 2005) الريادة بأنها: «عملية ديناميكية لخلق ثروة بطريقة تزايدية من قبل أفراد يتقبلون المخاطرة ويقدمون قيمة إضافية»، وذهب غيرهم من الكتاب والباحثين إلى توصيف الريادة واستكشاف مقوماتها والوصول إلى أنها: عملية خلق مشروع جديد، ناجح وينمو ويستمر، وبالاستناد إلى شبكات دعم اجتماعية قوية، وخصائص شخصية، ورأس مال نفسي إيجابي يرتكز إلى التفاؤل، والقدرة على مقاومة الخطر، والأمل الذي لا ينقطع. وينبثق رأس المال النفسي الإيجابي من مدى قدرة أن يكون هذا الشخص قائدًا رياديًّا ناجحًا، ولو نظرنا بالعموم إلى توصيف اللاجئين السوريين في تركيا، من حيث التركيب العمري والسكاني، والمؤهلات والخبرات السابقة في سوق العمل، والنشاطات المختلفة، نجد أنهم في الغالبية مستعدون ومؤهلون لبدء مشروعاتهم الريادية الخاصة، وتشير الأرقام إلي أن حوالي 91% من السوريين خارج المخيمات وينتشرون في مختلف المدن التركية وأريافها، ويعتمدون على ذواتهم في تأمين سبل العيش، مكابرين ومتجاهلين ظروف لجوئهم القاسية، يحدوهم الأمل وتؤازرهم الهمة العالية، وهم روّاد الأعمال الذين لا يقبلون الهزيمة.

وأجدهم جسدوا مقولة «في الرياح السيئة يُعتمد القلب»، وهل أسوأ من الظروف التي يواجهها السوري في سياقات اللجوء والنزوح، حيث تبرز أهمية المهارات والمواهب، والذكاء العاطفي والتسويقي والتنافسي، من هنا يثير اهتمامك اللاجئ السوري من خلال التفاؤل والإقدام على المخاطرة وتقبل نتائجها دون أن يؤثر ذلك في معنوياته، وأينما قابلت السوريين يخططون للبدء بأعمالهم أو لتوسيعها، ويؤمنون بوجود الفرصة التي يستحقون الوصول إليها، وكذلك مرونتهم وقدرتهم على المقاومة، والإصرار الشخصي، للتقدم إلى الأمام وتأمين سبل الحياة الكريمة.

في الختام أقول نحن نحتاج للإيمان بشخصيتنا السورية، التي تستند إلى رأسمال نفسي واجتماعي، وفكري وبشري، غني وخلّاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد