لم تعد قضية اللاجئين السوريين في تركيا – والذين تجاوزت أعدادهم 3.5 مليون – سبقًا إعلاميًّا وخبرًا تتداوله صفحات التواصل ومواقع الأخبار على اختلاف مشاربها ومواردها، بل هي قضية تقتضي المعالجة والوقوف عندها من حيث طبيعة وجود اللاجئ وقانونيته، ومدى إمكانية الاستفادة منه كمورد، وعدم النظر إليه كعبء اجتماعي يؤرق مضيفه، وما هي صورته لدى الدوائر القانونية، وكذلك صورته لدى المجتمع المضيف، هذا بغض النظر عن وجهات النظر الإعلامية والحزبية والتنظيرية، فهذا الذي يقول إنهم ظُلموا، وتلك التي تسعفها فلسفة الحياة وتقول هم ظلموا أنفسهم، وبكل الأحوال يجب ألا تستمر أخبارهم وصور معاناتهم معروضة كضحايا لاستجداء العطف، مخطوطة بالألم الذي يعتصر قلب كل حر تفلت من قيود الانفصام ولعنة التبعية.

ولو أردنا أن نتقدم خطوة للأمام في النظر إلى هذه الأزمة، وتسليط الضوء على جوانب ودوافع غير تلك التي شيطنتها الصفحات الزرقاء والأقلام الصفراء، لوجدنا أنها ليست بجديدة من حيث وقوعها، ولكن تتبدل شدتها واتساع نطاقها وفق متغيرات المناخ السياسي الدولي والإقليمي، وكذلك الداخلي التركي، ومن موقعي في ميدان البحث العلمي في الدراسات الاجتماعية والإنسانية، اطلعت وشاركت في العديد من الجهود البحثية للعديد من مراكز الدراسات والجامعات، الدولية منها والتركية، التي تحاول رصد أثر وجود اللاجئ السوري في المجتمع التركي وتحليله من الناحيتين الاجتماعية، والاقتصادية، لاسيما وأن الأرقام تشير إلى أن ما يزيد على 750 ألفًا من السوريين في تركيا يعملون في قطاعات مختلفة، كالنسيج، والبناء، والغذاء، والخدمات.

وربما يكون للشخصية السورية وطبيعتها دور في تفاعل تلك الأزمة، من حيث كونها شخصية نشطة عاملة وطامحة للفرار من صيغة اللاجئ العبء. ومن الملاحظ حضور السوري الفاعل في ميادين توليد الدخل المختلفة، وبغض النظر عن عدالة فرصة العمل من ناحية الجهد والأجر والموافقة القانونية، وما يرافق ذلك من نقل الخبرات وتبادل والمهارات، وطرائق العمل في سوق العمل التركية، وقد لا يحتاج الأمر في ظاهره لأكثر من جولة استطلاعية في مناطق وجود السوريين في إسطنبول – على سبيل المثال لا الحصر– حتى تلاحظ الأنشطة الاقتصادية المختلفة التي يشغلها السوريون، والتي بدون أدنى شك، تترك الأثر الاقتصادي في المدى القصير، وكذلك في المدى الطويل، ولكن السؤال الأهم هنا: هل هذا الأثر واضح ومفهوم ومقبول لدى المجتمع المضيف؟

ومع طول فترة تغريبة السوريين وتعقيد المتغيرات، التي قد تنتج حلًّا وتضع حدًّا لآلامهم، بدأت أزمتهم في تركيا، من ناحية القبول المجتمعي والنظرة إلى الإنجاز الاقتصادي، وتوليد الدخل، فكانت نظرة منافسة وتحدٍ، لاسيما في ظل تجاذبات حزبية داخلية واستحقاقات انتخابية استثمرت في ملف السوريين، دون الانتباه لخطورة نتائج اللعب في هذه الورقة من الناحية الاجتماعية والإنسانية، فمسألة تفعيل الرأي العام وتأجيجه في ظل الإعلام المتاح للجميع، وبلا حدود، أمرٌ يسير، ولكن الأمر العسير هو عدم القدرة على التنبؤ والتحكم بما ستؤول إليه هذه الانفعالات في الرأي العام، والموقف الشعبي والاتجاه لدى الملايين، وقد بدت بعض المظاهر والسلوكيات في الآونة الأخيرة تطفو على السطح، من خلال تعامل سائق التاكسي، أو بائع البقالة، أو معاملات مختلفة في البنوك وغيرها، وهي لا تعبر عن قيم ومبادئ الشعب التركي، ولا الدولة التركية، والتي تصنف عالميًّا بأنها الدولة الأكثر استقبالًا للاجئين والمهاجرين، وهذا ناتج عن شيطنة الرأي العام والدور السلبي للإعلام، وتصدير صورة سوداء عن السوري المقيم في تركيا.

وأعتقد أن بعض السوريين ساهم بغير قصد، وربما بعضهم الآخر بقصد، في تفاقم هذه الأزمة وانتشارها شعبيًّا، على الرغم من أنني لست من هواة جلد الذات، وألوم كل العالم بحكوماته ومنظماته وشعوبه، قبل أن ألوم السوري الذي واجه الخذلان من الجميع.

وربما يمكن القول إن الأوعية القانونية والتنظيمية في تركيا لم تكن مهيأة للتعامل مع هذا العدد النشط من اللاجئين، وبالتالي ظهر القصور في المعالجة لكل ما يستجد من أمور.

وهنا تكمن عقدة أزمة اللاجئ السوري في تركيا، إذ يتأرجح وجوده بين الدور الاقتصادي المأمول، والقبول المجتمعي المشوّش، وبالتالي يجب تقديم المقومات التي تساعد على الاندماج الاجتماعي مدخلًا أساسيًّا للوصول إلى سوق العمل؛ ليكون اللاجئ ذلك المورد المأمول، إذ لا يمكن فصل الاجتماعي عن الاقتصادي، وهنا تبرز أهمية الاندماج والتعايش المجتمعي حتى يبدو الدور الاقتصادي واضحًا، وبالتالي تقدير المساهمة في هذا السياق، ولنبدأ أولًا بأنفسنا نحن السوريين، ولنوحد شعورنا ووجداننا؛ لأننا وفي جميع الحالات والتحليلات، من يدفع الفاتورة، والتي وحدة القياس فيها الألم، فلنتألم معًا نحن السوريون، فكم نحن بحاجة إلى الذي يوحدنا ولو كان الألم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد