نُشرت في يناير (كانون الثاني) 2019 ورقة بحثية بعنوان «تحليل للبيانات بلا حدود: رؤى متعددة المستويات لأزمة اللاجئين السوريين» أعدّها باحثون من جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة بالتعاون مع عدد كبير من الباحثين من جامعات تركية وأمريكية.

تندرج الورقة البحثية المذكورة ضمن أبحاث نظم المعلومات ومعالجة البيانات الضخمة، وتطلّب إنجازها الحصول على دعمٍ كبيرٍ من عدّة جهات حكومية وخاصّة، ويذكر معدّوها أنّها ستكون ذات فائدة لصنّاع القرار فيما يخصّ اللاجئين، ما ينعكس إيجابًا على حياتهم.

من أين تأتي البيانات؟

ننتج نحن البشر كميات كبيرة من البيانات في كلّ لحظة، من خلال المعاملات المالية والتفضيلات على مواقع التواصل، والأجهزة التي تحدد المواقع، والمكالمات الهاتفية العادية، وقد وجد الباحثون في مجال الذكاء الصناعي والبيانات الضخمة الفرصة المناسبة كي يستثمروا تلك البيانات للكشف عن أنماطٍ متكرّرة، بهدف تحسين حياة الناس. وهذا ما أطلق عليه في الأوساط العلمية «توظيف البيانات الضخمة من أجل مجتمعٍ أفضل».

مثال ذلك ما حصل من تحليل بيانات المكالمات الهاتفية في نيبال عقب زلزال في 2010؛ إذ أدّى ذلك التحليل إلى معرفة أماكن التجمعات التي لجأ إليها الناس ما ساهم في إيصال المساعدات إليهم.

أسئلة تقنيّة مزعجة

استخلص الباحثون في الورقة البحثية التي نحن بصددها، وكذلك الباحثون في مثال زلزال نيبال، استخلصوا البيانات من مكالمات الناس الهاتفية، وهذا ما يُعدّ انتهاكًا واضحًا للخصوصيّة لملايين البشر؛ ويجعلنا نتساءل جملة من الأسئلة هي: هل يحقّ للشركات أو الباحثين استخدام بيانات الأشخاص دون موافقتهم حتّى لو كان الهدف من ذلك «تحسين حياتهم»؟ وهل يضمن الباحثون ألّا تُستَغلّ نتائج أبحاثهم لأهدافٍ «غير نبيلة”»؟ وهل يمكن لأيّ جهةٍ أن تستخلص معلوماتٍ شخصيّة لأفرادٍ محدّدين من ضمن قاعدة البيانات الضخمة؟ وهل انعدمت البدائل المقبولة أخلاقيًّا؟

في الحقيقة لا يضمن معدّو أيّ بحثٍ ألّا تُستخدم نتائج دراساتهم إلّا في «الخير» فقط، أمّا استخلاص بيانات أشخاص بعينهم من داخل كمية كبيرة جدًا من البيانات المشفّرة أصبح اليوم ممكنًا بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، ما يعني إمكانية ملاحقة المعارضين السياسيين، أو اللاجئين غير الشرعيين، أو أفراد منتمين لجماعات عرقية ودينية معيّنة، ومن ناحية البديل الأخلاقي لانتهاك الخصوصيّة لملايين البشر، فهو موجود ومنذ سنوات، وهو موقع تويتر، حيث يقول علماء الزلازل الذين يستخدمون تويتر للتحقّق من الهزات الأرضية، إنّ الموقع تفوّق على معدّاتهم المتطوّرة في تحديد موقع الزلزال الذي ضرب الفلبين في سبتمبر (أيلول) 2012، وذلك عندما كان الناس يغرّدون من مكان وقوع الزلزال آنيًّا، ويتبادلون الصور للمناطق المتضررة قبل وسائل الإعلام.

بيانات المكالمات الهاتفية للاجئين السوريين في تركيا

استخدم الباحثون بيانات مليون مستخدم لشبكة تورك تيليكوم المزوّدة لخدمة الاتّصالات في تركيا، من بينهم حوالي 200 ألف لاجئ سوري، يسكنون في المدن التركية (خارج المخيّمات)، وشمل بحثهم تحرّكات السوريين ونشاطاتهم، والأعمال والوظائف التي يمارسونها، ومستوى الدخل، ومستوى الإنفاق، ومعدّل تنقّلاتهم، واعتمد الباحثون بالإضافة لبيانات المكالمات الهاتفية على إحصائيات من معهد الإحصاء التركي tuik.gov.tr وبيانات موقع «حرييت» hurriyetemlak.com المتخصّص في بيع العقارات وتأجيرها.

إنّ عجز الباحثين عن تفسير العديد من الأنماط التي ظهرت في ورقتهم البحثية يضع الكثير من إشارات الاستفهام على بحثهم وأهدافهم منه، فقد توصّلوا إلى ما يلي:

1- اللاجئون السوريون في إسطنبول يتركّزون في منطقة الفاتح، وعلّلوا الأمر بأنّها رخيصة، وغاب عن أذهانهم أنّ أغلب الأعمال التجارية والسياحية ترتكز هناك، وأنّ الغالبية العظمى من السوريين لا يملكون السيّارات، لذلك يفضّلون السكن قرب أعمالهم؛ لأنّ كلفة المواصلات في إسطنبول تعد مرتفعة مقارنة بمعدّل دخل السوريين الذي يساوي 40% من دخل المواطنين الأتراك، حسب استطلاع أجرته منظّمة آفاد.

2- السوريون منغلقون على أنفسهم، ولا يغادرون أماكن تجمّعاتهم، بينما غاب عن الباحثين أنّ التنقّل محظورٌ على السوريين إلا بـ«إذن سفر» لا يمكن الحصول عليه إلا بصعوبة بالغة.

3- السوريّون منخفضو التعليم لذلك يعمل عددٌ كبير منهم في الزراعة، واستدلّوا على ذلك من خلال ازدياد عدد المكالمات من مناطق زراعيّة محدّدة في أوقات الحصاد، لكن مجدّدًا يغيب عنهم أنّ السوريين ممنوعون من العمل في كثيرٍ من المهن، وأنّ كثيرًا من العاملين في الزراعة والصناعة يحملون الشهادات الجامعية.

4- ربط الباحثون إحدى الظواهر الغريبة، وهي ارتفاع عدد المكالمات في فترتين من الصيف، بأحد المهرجانات الثقافية التي لا يعلم عنها السوريون شيئًا وهو «مهرجان حمزة بابا»، بينما الأمر ببساطة أنّ هاتين الفترتين ترتبطان – حسب رأيي- بعيد الأضحى الذي يسبقه التحضيرات من آلاف السوريين للمغادرة إلى الشمال السوري في إجازة العيد، ويتضمّن التحضير إجراء الكثير من الاتصالات، وبعد العيد تعود وتيرة الاتّصالات لترتفع بسبب العودة والمباشرة في العمل.

كلّ نقطة من خريطة إسطنبول تمثّل ألف اتّصال أجراه اللاجئون السوريّون

ما فائدة البحث؟

يذكر الباحثون في مقدّمة ورقتهم البحثية أنّ نتائج بحثهم ستساعد صانعي السياسات على اتّخاذ القرارات الصائبة، وتقديم خدمات أفضل لتحسين حياة اللاجئين السوريين، وذلك عند معرفة أماكن تجمّعاتهم الحقيقيّة، إذ تُظهر النتيجة الأبرز للبحث أنّ أعداد اللاجئين الحقيقيّة تختلف كثيرًا عن الأعداد المسجّلة رسميًّا.

والحقيقة الجديرة بالذكر أنّ الأبحاث في هذا المجال شحيحة، ولم نسمع عن بحث مماثل إلا دراسة «تسوّل المرأة اللاجئة السوريّة في المجتمع الجزائري» التي نُشرت في 2016، وبينما قُوبل البحث الجزائري بالاستنكار بسبب أخطاء منهجية كبيرة، إضافةٍ لعدم تقديمه أيّ مقترحات لحلول ذات جدوى، فإنّ البحث التركي الذي حظي بدعمٍ من الأمم المتّحدة، يتميّز برصانة لا بأس بها، إلا أنّ النتيجة العمليّة الوحيدة التي يمكننا التوقّع بأنّها استندت إليه، هي حملة ترحيل ما يقارب من نصف اللاجئين السوريين المقيمين في إسطنبول إلى ولايات أخرى، أو إلى الشمال السوري.

صحيحٌ أنّ التزامن لا يعني الترابط، لكنّه يدعو للتساؤل؛ فتلك الحملة قد تزامنت مع تغيّر رئيس البلدية، لكن نُفيت الأقاويل التي ربطت الحدثين عبر تصريحات رسمية، في المقابل فإنّ الحملة استندت لمعلومةٍ تُذكر للمرّة الأولى تفيد بأنّ السوريين المقيمين في إسطنبول يبلغون ضعف العدد المسجّل، ونحن نعلم أنّه لم يجرٍ إحصاءٌ فعليّ على أرض الواقع لعدّهم، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الإحصاء الفعلي لهم لا يمكن تنفيذه إلا بإحصاء جميع سكّان إسطنبول من مواطنين وأجانب، إذ إنّ إحصاء عيّنة صغيرة لن يفي بالمطلوب بسبب التوزيع غير المنتظم للسوريين بين أحياء إسطنبول.

هل تحوّل اللاجئون السوريون إلى مادّة إعلامية وبحثية؟

بالطبع أصبح موضوع اللاجئين بشكلٍ عامّ، والسوريين خصوصًا مادّة رائجة في الإعلام، ولا يتعلّق الأمر بكونهم سوريين، فهم بالدرجة الأولى خبرٌ كسائر الأخبار، وزِد على ذلك الأرقام القياسيّة التي ارتبطت بهم، فقد اضطروا لهجرةٍ وُصفِت بأنّها أكبر هجرة جماعيّة بعد الحرب العالمية الثانية، ويشكّل المهجّرون السوريّون أكبر نسبة مهجّرين من شعبٍ ما على مرّ التاريخ، وكوننا نحن السوريّين لم نعتَد على ظهور خبرٍ يتعلّق بنا في الإعلام الدولي، فإنّ حساسيّتنا مفرطة تجاه هذه القضايا، وتظهر هذه الحساسيّة على شبكات التواصل الاجتماعي بشكلٍ جلّي عندما يُثار خبرٌ من هذا القبيل، ولذا فإنّها جديرة بالنظر والاعتبار من قبل الباحثين والإعلاميين الذين يودّون تناول إحدى القضايا الخاصّة بنا.

القانون يحمي شركات التكنولوجيا المسلّحة بموافقات العملاء

تقول شركات التكنولوجيا التي تجمع البيانات إنّها تحصل على موافقة المستخدمين قبل جمع المعلومات، لكن – وجميعنا مررنا بتجربة مماثلة- في معظم الأحيان لا تعدو الموافقة على وضع إشارة داخل مربّع صغير دون قراءة شروط الاستخدام، فجميع تلك الشروط متشابهة (كما نظن) ورغم أنّ القانون يقف في صفّ الشركات في هذه النقطة، فإنّ هناك ثغرة وهي أنّ إعلان وثيقة هلسنكي 1964 اعتمد مجموعة من الإرشادات الأخلاقية التي يجب على الباحثين الالتزام بها، ومن جملتها الحصول على موافقة طوعية للأشخاص المشاركين في الأبحاث، مع إلمامهم بموضوع الدراسة بشكلٍ كافٍ، وهو ما سمّي اختصارًا «الموافقة المستنيرة»، والثغرة هنا أنّ الباحثين لا يأخذون موافقة أصحاب البيانات الضخمة التي تُدرَس، ويجادل العلماء الباحثون في هذا المجال بأنّ البيانات الضخمة عادةً ما تكون مشّفرة وضخمة بطبيعة الحال، ومن الصعب جدًا فرز بيانات الأفراد غير الموافقين على الانضمام للدراسة.

هل يوجد بدائل لاستغلال البيانات؟

تقول ألكساندرين دي كوربيون مديرة برنامج الخصوصية في لندن «هناك طريقة أخرى لمعرفة هذه المعلومات عن اللاجئين وهي طرح الأسئلة عليهم، مما يسمح لهم بتحديد ما يفضّلون مشاركته من عدمه».

بينما يدافع المهندس التركي ألبرت علي صالح المشارك في هذا الورقة، بالقول: «من يريد إيذاء اللاجئين يعرف أماكن تجمعاتهم، ولن تقدّم له هذا الدراسة شيئًا، بينما تزوّد هذه الدراسة صنّاع القرار بإرشادات مهمّة لاتّخاذ القرارات، بما فيها القرارات السياسية، إضافةً إلى تعهّد مؤلّفي الدراسة بأن لا يشاركوا معلومات من شأنها تهديد العمّال غير الشرعيين بالملاحقة القانونية على سبيل المثال».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد