في زخم أصوات المدافع والصواريخ، وزحمة الأجواء السورية بالطائرات الدولية التي تقصف الجماعات المتطرفة وتدمر منطقة هنا وهناك، بالإضافة إلى الخناق الاقتصادي الذي حل بالبلاد منذ ما يربو عن 5 سنين، يجد المواطن السوري البسيط نفسه أمام أشواك من العقبات التي تحول بينه وبين إقامة مشروعه الصغير الذي يدر عليه مايعوله ويعول به صغاره.

فبعد تراجع قيمة الليرة السورية بعدة مستويات نتيجة النزاع الدائر في البلاد، والحصار الاقتصادي الخانق في بعض المدن، وبيع العملات الصعبة في السوق السوداء بأقل من قيمتها، فضلا عن دمار المدن الزراعية والصناعية التي كانت تشكل العصب الرئيسي للحياة في سورية، لا تجد المشاريع التنموية الصغيرة أو حتى المتوسطة طريقها في البلاد، فضلاعن توافد المستثمر الذي يبحث عن البيئة الآمنة التي تأوي إليها مشاريعه.

ومع انعكاس كل تلك الظروف على المواطن البسيط الذي لم يرفع سلاحًا ولم يقاتل فصيلا، لايجد بدًّا إلا أن يحمل أمتعته وأطفاله ويلوذ بالفرار إلى أي منطقة أوبقعة آمنة في الداخل السوري أو خارجه، وإن كان الخارج يشكل عامل جذب لمئات الآلاف بل لملايين اللاجئين المهجرين.

المشاريع بالخارج

مع اشتداد وطأة الحرب الأهلية في البلاد، وخصوصًا في مدينة حلب –العاصمة الاقتصادية للدولة-، فضل العديد من المواطنين السوريين الاتجاه صوب تركيا، نظرا للقرب الجغرافي من حلب، أو لسهولة فتح أي مشروع صغير، بحكم غض نظر السلطات التركية وعدم التشديد على ذلك.

وبحكم مكوثي في تركيا مدة زمنية للدراسة، وخصوصا في مدينة أزمير الساحلية التي تقع على ضفاف بحر إيجة المطل على السواحل اليونانية، فقد قابلت فيها أعراقًا وجنسيات من كافة دول العالم، سواء من آسيا أو إفريقيا، أو أمريكا الجنوبية وغيرها.

وبالنسبة للجالية السورية، فقد لاحظت انخراط كل الأطياف السورية، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية التركية.

فحينما تذهب إلى مقهى، تجد العامل السوري يحرك أنامله بكفاءة وانضباط، وحينما تذهب للجامعات والمدارس تجد البصمات السورية عليها، من خلال تكاتف الطلبة السوريين مع بعضهم ومساعدتهم للآخرين، فضلا عن كلماتهم الرقيقة وأسلوبهم اللطيف، في حين يشرك الأتراك في المطاعم والمحلات التجارية الجالية السورية للتخفيف من وطأة صعوبة اللغة والتواصل مع الجاليات العربية التي تفد إلى تلك الأماكن.

بينما في مدينة إسطنبول، العاصمة التاريخية للقوة العثمانية، فلم تعد تكاد تجد المواطن التركي في وسائل المواصلات والشوارع إلا عندما تركز جيدًّا في الملامح والنطق والحركات، بحكم امتلاء المدينة بكل أشكال المهاجرين السوريين، في عدة قطاعات، كالصحافة، وخدمات الأعمال، والبناء، ونقاط البيع، والتعليم والصحة وغيرها.

وبلا شك، فإن الدولة التركية تولي اهتمامًا لهذه القوة البشرية الجديدة الآتية إليها، حيث تحرص على توفير المنح الدراسية وتعليم اللغة، ثم توفر المأكل والمشرب والمأوى والنفقات، من أجل توطين تلك القوى الهائلة، وبناء اقتصاد قوي لا يعتمد على الموارد الطبيعية فقط، وإنما على القوة البشرية العمرانية أيضًا.

وبعكس الدولة التركية، ففي الأردن ولبنان، يواجه اللاجئون صعوبات وتشديدات أمنية مكثفة، وعدم قدرتهم على العمل وفتح المشاريع الصغيرة بحرية، بحكم المخاوف الأمنية التي توليها السلطات هناك، فضلا عن استياء عدد من السكان المحليين الذين يرون اللاجئين حملًا ثقيلًا على عاتق الدولة، وخطرًا ديمغرافيًّا يهدد التركيبة السكانية الأصلية، بالإضافة لمنافسة العمالة الأصلية بأجور زهيدة، الأمر الذي يفضله صاحب العمل ويقصي المواطن ذا الدخل العالي.

وبالتالي، فلا يجد المواطن السوري بدًّا أمامه، إلا أن يركب في قوارب الموت، ويحلم بالهجرة الأوروبية وإن كانت على حساب حياته أو كرامته، أو العودة لسماع أصوات المدافع والصواريخ التي لا تهدأ ليلًا أو نهارًا في بلاده.

أما في مصر، فعندما تتجول في بعض الشوارع التي أصبح جل قاطنيها من الجالية السورية، فتجد آثار صنعتهم في كل مكان، انطلاقًا من روائح الأطعمة الزكية التي تراود أحاسيسك، ومرورًا بأسماء المحلات التجارية التي أصبحت مشهورة في تلك المناطق، وانتهاء بحفاوة السكان بهم بالرغم من الطاقة البشرية التي تحتويها البلاد.

سياسة التوطين

أتساءل دائما في قرارة نفسي، ما الذي دفع بدولة اقتصادية عظمى أوروبية كألمانيا لتقبل ذلك العدد الكبير من اللاجئين السوريين، بل وتعلن استعداداها لتوطينهم وإدماجهم في سوق العمل وإعطائهم الجنسية إن تطلب الأمر ذلك؟

لكن بعد قراءة التقارير وتحليلاتها، تبين لي أن الدولة تعاني من نسب عالية من الشيخوخة وسط مواطنيها، وعزوف الشباب عن الزواج، وبالتالي فإن هنالك نقصًا في العنصر البشري أدى لحدوث خلل في البيئة الاقتصادية، من معامل ومصانع وغيرها، والتي تعتمد في المقام الأول على اليد العاملة.

وفي المقابل، فإن دولا عربية أخرى، ترفض استقبال هؤلاء اللاجئين وترى أنهم يشكلون هاجسًا أمنيًّا، وتهديدًا للتركيبة الديمغرافية للسكان، فهل يعقلون أكثر من الدول الأوروبية المتقدمة عليهم؟

إن مسألة توطين اللاجئين، ودراسة خطط تنموية تساعد في دمجهم باعتبارهم يدًا عاملة فاعلة في الاقتصادات الوطنية، بحكم أن غالبيتهم من الشباب الذي يمتلك طاقات هائلة، وشهادات دراسية متخصصة، لهو أمر إيجابي لكل دولة، وعنصر هام في سبيل تدعيم الطاقة البشرية التي قد تفتقدها بعض المجتمعات، أو التي يتقاعس فيها الشباب عن العمل الجاد، ويحلم بامتلاك مكاتب وسيارات فارهة للعمل من خلالها، وبالتالي فإن عملية الدمج للمهاجرين، سوف تحدث التنافس الكبير بين فئتي الشباب من المهاجرين والمواطنين، وسيحدث ذلك عملية تمازج في الكفاءات وخلق مزيد من فرص العمل المربحة للجميع.

كسر الحدود

إن العرق العربي وما يتفاخر به من عزة وأنفة، ونجدة مظلوم، وإغاثة ملهوف، يجب أن يخرج إلى العلن في هذا الوقت العصيب الذي تمر به المنطقة العربية من كوارث إنسانية لا مثيل لها، وإن لم يتمكن العرق العربي من نصرة المظلومين في الصراع السوري ووقف الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، فأضعف الإيمان أن يفتح أبوابه المغلقة في وجه المهجرين منهم، والذين لا يجدون مأوًى لهم، فضلًا عن الرعاية الصحية والتعليم وغيرها.

إن الأمة العربية قد مسها من العار والخزي ما قد مسها، فكيف تسمح لغيرها من من الأمم الأخرى أن تسابقها في ما تشتهر به عن غيرها منذ الأزل، من الكرم والضيافة، وإغاثة الملهوف ونجدة الضعيف، وأن تغض الطرف عن أولئك النازحين.

ولذا، يتعين على كل دولة عربية، إن كان لها بقية من نخوة عربية وأصالة عرقية، أن تأخذ من كل اللاجئين نسبة معينة في حدود طاقتها الاستيعابية، وتفتح لهم أبوابها عل الله يكشف ما بالأمة من كربات، ويصب عليها الخير صبًّا صبًّا، وأن يعيد لها عزتها وشأنها من جديد، وإن لم تفعل ذلك فالخزي والهوان باقٍ ويتمدد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد