«الوصول إلى أثينا كان مثل الحلم، المشكلة من وين بدك أبلشلك؟ شغلات ليها بداية وما إلها نهاية، أحكيلك عن الطيران ولا عن الموت قبل الموت، أحكيلك بس عن الطيارة لما تجي، ما شفت انت، شفت بس عالتلفزيون ومقاطع صغيرة، الطيارة لما تجي ليها صوت قوي قوي قوي جدًا، وحصرا ايمتا الصوت يكون قوي هو خوف، هو الصوت تسمعو من جواك مو بس من أذانك وتصير تفكر الصاروخ علي أو قريب مني، ولا عن داعش اللي كانت أتقص وترمي جثث بالشوارع، عن الرؤوس المقطعة، عن الإيدين المعلقة بالشوارع […] عن كل حاجز نعديه من داعش كان رعب وموت […] أو عن الشرطة التركية اللي مسكتنا ثلاث مرات واحنا نحاول نمر لليونان عن طريق البحر، أو عن أوروبا اللي كانت أكبر كذبة واحنا صدقناها».

يقول آدم – اسم مستعار – وهو شاب سوري من الرقة، قابلته في اليونان أثناء قيامي ببحث ميداني عن ظاهرة اللجوء.

من الرقة إلى أثينا مرورًا بأزمير وجزيرة خيوس، بين حواجز داعش والحواجز العسكرية للنظام السوري، بين الحدود البرية والبحرية، وانتهاكات ما يسمى بحقوق الإنسان، رحلة الموت قبل الموت كما وصفها آدم، الذي اعتقل في البداية من طرف تنظيم داعش بتهمة تدخين سيجارة، كانت هذه الفترة بالنسبة لآدم بمثابة أول مرحلة من الموت، فبعد محاكمته بهذه التهمة من طرف أمير داعشي، تم تعذيبه بطريقة وحشية سببت له إصابات جسدية دائمة وعذابًا نفسيًا منعاه من مواصلة حياته بشكل طبيعي، إذ إن الحكم الذي أُصدر في حقه هو أن يعذب كل يوم، بدل أن يعدم ويعذب مرة واحدة فقط.

 بعد أربعة أيام من التعذيب تمكن آدم من الهروب من قبضة داعش، وقرر الاتجاه إلى أوروبا طلبًا للحماية الدولية بمساعدة مجموعة من الشباب من أفراد عائلته، باعتبار أوروبا مهدًا للحقوق التي تتقلص معها المخاوف من التعرض للاعتقال والابتزاز والانتهاك المريع لما يسمى بحقوق الإنسان.

حدود وحواجز داخل الوطن الأم قبل الوصول إلى حدود البلد الآخر، والأمل الوحيد لاجتياز هذه الحدود هو اللجوء إلى شبكات تهريب البشر التي تقوم باستغلال الإنسان بأبشع الطرق. فحسب ما جاء على لسان آدم فإن 1500 دولار أمريكي هو المبلغ الذي دفعه لاجتياز الحدود الداعشية وحواجز النظام السوري للوصول إلى تركيا فقط.

باجتياز هذه الحدود والحواجز تمكن آدم من النجاة من أول مرحلة من الموت، أما ثاني مرحلة من الموت فقد بدأت بمحاولة العبور إلى تركيا عبر الحدود السورية–التركية غير النظامية، والسبيل الوحيد لاجتياز هذه الحدود هو المشي في طرقات جبلية وعرة، محروسة بالجاندرما التركية المعروفة بممارساتها غير الإنسانية والإجبار القسري لبعض السوريين على العودة إلى سوريا قبل دخول الحدود التركية باستخدام أساليب العنف. كإطلاق الرصاص على نحوٍ مميت على أشخاص هم في أمس الحاجة إلى الحماية.

بعد معاناة طويلة تمكن آدم من تخطي الحدود التركية والوصول إلى أزمير والاستقرار فيها لمدة شهر، لكنه لم يعلق آمالًا كبيرة في تركيا لأن الوجهة الأساسية منذ البداية لم تكن تركيا بل الجزء الآخر من أوروبا، خاصة بعد المعاملة السيئة التي تلقاها في تركيا بالرغم من تدهور حالته الصحية.

في هذه الفترة حاول المرور إلى اليونان مع مجموعة من الشباب عن طريق البحر أكثر من مرة مع المهربين، وقد دفعوا لهم في هذه المرحلة 1300 دولار أمريكي تقريبًا للفرد الواحد، علمًا أن الأسعار تختلف باختلاف العدد والجنسية والوجهة كذلك. لكن الوصول إلى الطرف الآخر لم يكن بالأمر الهين، غير أنهم تمكنوا من المرور إلى جزيرة خيوس بعد ثالث محاولة.

أما ثالث مرحلة من الموت فيمكن حصرها بين جزيرة كيوس وأثينا، بمجرد وصول آدم إلى اليونان تمت معاملته في البداية بطريقة مثالية، فقد استقبل كضيف بخطاب في قمة الإنسانية وشعر أنه في أمة جديدة وآمنة، تلك الأمة التي تحترم فيها حقوق الإنسان، متفائل بمجرد نجاته من الموت بمراحله، وانتقاله إلى ملاذ آمن، لكن للأسف الشديد فإن الواقع كان مغايرًا، فقد خيبت الآمال ووئدت الأحلام في أوروبا التي تتعالى فيها شعارات الإنسانية.

بعد أن ظل في مخيم بجزيرة كيوس لمدة شهر في ظروف صعبة، أعطيت له بطاقة الحماية الدولية المختومة بالختم الأزرق، التي تمكنه من الانتقال إلى أثينا لمواصلة الإجراءات القانونية في دائرة اللجوء بأثينا التي تسمى «كاتاخاكي»، علمًا أنها الدائرة الوحيدة الموجودة في اليونان، وكل طلبات اللجوء من شتّى أصقاع الأرض تدرس في هذه الدائرة.

في أغلب الأحيان فإن فترة البقاء في المخيمات تكون أطول بكثير وتسلم لطالبي اللجوء بطاقات مختومة بختم أحمر، ويعني هذا الختم أنه يمنع خروجهم من المخيمات، إلا أن حالة آدم الصحية سرعت من إجراءات الخروج من المخيم إلى حد ما، لكن المساعدات الطبية التي قدمت له لم تكن في مستوى توقعاته، بل كانت مجرد إسعافات أولية.

لسوء الحظ فإن مواصلة الإجراءات القانونية لطلب اللجوء في أثينا تأخذ وقتًا طويلًا، فحسب كلام المحامين المتطوعين الذين قابلتهم أثناء حضوري جلسات استشارية مع طالبي اللجوء، فحجز موعد في كاتاخاكي يأخذ سبعة أشهر تقريبًا، ويجب الانتظار فترة أطول للانتهاء من الإجراءات الأخرى التي تصدر بعد القرار الذي يقدم لطالبي اللجوء بالرفض أو القبول، بحيث قد تأخذ حسب كلامهم سنتين تقريبًا أو أكثر.

ويرجع ذلك إلى عدة أسباب، نذكر منها الأعداد الكبيرة من طلبات اللجوء التي تستقبلها اليونان، التي تحولت بحكم موقعها الجغرافي من دولة عبور لأوروبا إلى دولة كابحة للآلاف من طالبي اللجوء، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها والضغوطات الممارسة عليها من قبل دول الاتحاد الأوروبي التي وصلت إلى حد التهديد بالطرد.

في هذه الفترة الطويلة يبقى مصير طالبي اللجوء مجهولًا، كما تبقى طريقة عيشهم مجهولة أيضًا، فالمتواجدون في المخيمات يتحصلون على مساعدات مالية بسيطة تبلغ تقريبًا مائة يورو شهريًا، إلا أن الذين يعيشون خارج المخيمات لا يحصلون على أية مساعدات إلا الحالات الخاصة.

في الخاتمة، من المهم الإشارة إلى أنه تم سرد تجربة آدم باختصار شديد بكلماته الخاصة، ليس بغرض تعميم حالة عن باقي الحالات، أو تصويره كضحية، بل لإلقاء الضوء على جزء بسيط جدًا من معاناة طالبي اللجوء، فقد تمت الإشارة في كل مرحلة إلى تفاعلات اللاجئ وصدامه مع مقومات الدولة الأمة الحديثة التي لخصناها في ثلاث مراحل من الموت. بدءًا من الحدود الوطنية وعبور الحدود البرية إلى تركيا، وصولًا إلى اليونان الأمة التي جعلت من طالبي اللجوء يحملون بطاقات تصنفهم بشرًا استثنائيين بدون حقوق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!