فوق خشبة مُرتفعة بقاعة المحاضرات وقفت بأنوثة دكتورة مادة مناهج البحث في العلوم الاجتماعية بكلية الإعلام قسم الصحافة بجامعة غازي عنتاب واعترضت على تقرير صحافي كتبه تركيٌّ عنوانه: «أيها اللاجئون السوريون ارحلوا من أرضنا الآن».

الأستاذة «آينور سارا ساكيل» طرحت رأيًا عقلانيًا فيما يتعلق بمصطلح اللجوء وانتقدت استخدام الطالب لهذه اللغة التحريرية التي تظهر عدم الحياد، والانحياز التام لأيديولوجية سياسية.

ما نسيتُ هذا المشهد بالرغم من طول مدته. فقد مضت سنوات. إن خلود الأثر الطيب مُتصل بسلوك الشخص، وبما ترك من مواقف نبيلة ونزعة إنسانية أظهرت حقيقته وجوهره الإنساني.

مرّ عقد على الأزمة السورية وتشير الإحصائيات بأن: 13.4 مليون بحاجة للمساعدة، وأكثر من 6.7 مليون نازح، ويوجد 6.6 مليون لاجئ في العالم استضافت دول الجوار 5.5 مليون، وفي أوروبا يسكن مليون.

بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011 انتقل إلى تركيا قرابة 3.6 مليون لاجئ سوري؛ ونظرًا للاتفاق المُبْرَم بين الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي بعام 2016 تقرر إبقاء اللاجئين بتركيا.

لعبت الحكومة التركية دورا هاما بورقة اللاجئين؛ مما ساعدها بالجلوس على طاولة السياسة الدولية، كما سنحت الفرصة باستقطاب صناع القرار الأوروبيين، فتم عَقْدُ صفقات سياسية تارة باسم اللاجئين وتارة كتهديد دول أوربا باللاجئين ذلك هو نهج السياسة الدولية للحكومة التركية.

وقد عمل رئيس الجمهورية التركية «رجب طيب أردوغان» بمثل هذه السياسة البراجماتية التي تتبنى مساعدة اللاجئين وتحتضنهم وفي نفس الوقت تعقد صفقات دولية على حسابهم.

والهدف الرئيس من هذا كله تحقيق مصلحة كبرى للجمهورية التركية في قضايا إستراتيجية كبيرة تتعلق بالأمن الحدودي والقوى الناعمة كالسماح بالهجرة واللجوء من المدن الحدودية.

خلال السنوات العشر الماضية تغيّر الوضع بتركيا فمع تواجد اللاجئين السوريين بأعداد كبيرة قابله انحدار شديد بمؤشرات الاقتصاد المحلي وضعف الليرة أمام الدولار مع حصول تغيرات اجتماعية.

أدت هذه التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلى إيجاد قضايا تصلح لتحريك الناخبين التركيين فشرعت أحزاب المعارضة بتسليط الضوء على اللاجئين السوريين.

ومع استغلال الخطاب السياسي لملف الهجرة تزامن معه التركيز الإعلامي عند تقديم الأخبار المتعلقة باللاجئين ووضعها تحت قالب سلبي، ساهم لاحقًا على أدلجة المواطن التركي.

الذي يعتقد بأن جميع المشاكل الاقتصادية التي يمر بها الآن هي بسبب تواجد اللاجئين السوريين في سوق العمل التركي كونهم عمالة رخيصة أضرت بفرص توظيف المواطنين ورحيلهم مهم.

بهذه السياسة المعادية للاجئين تنطلق أحزاب المعارضة التركية، وعلى رأسها زعيم حزب الشعب الجمهوري «كمال كيليشدار أوغلو» الذي أكد قبل أسبوع بأنه سيقوم بترحيل السوريين خلال سنتين في حال وصول حزبه إلى السلطة في الانتخابات القادمة.

تطوّر المشهد قليلًا بعد تصريحات رئيس بلدية بولو «تانجو أوزجان» طرح من خلالها رفع أسعار الكهرباء والمياه على السوريين أضعافًا داخل مدينة بولو؛ مما قد يجبرهم على الرحيل.

أوزجان أشبه بمهرج مسرحي يفتقد إلى الطرح الدبلوماسي الرصين. وبكل بساطة طرح هذه الأفكار الفاشية أمام أعضاء المجلس البلدي وألقى بأكياس الشاي على الأرض كنوع من السخرية بأردوغان الذي وزع الشاي على متضرري حرائق الغابات بمرمريس.

فهو امتداد لأفكار رئيس حزبه «كمال كليش» الذي وصفه أردوغان بسخرية بآخر مقابلة أجراها مساء الأربعاء مع قناة «سي إن إن تورك»، وقال «كمال لا يفهم السياسة الدولية ولم يمارسها» جاء رد أردوغان بسياق سؤال طرحه الصحافي.

حادثة الاعتداءات على منازل السوريين ورميها بالحجارة ليلًا وحرق محلات تجارية، إثر شجار وقع بين مواطن تركي وسوري مساء الثلاثاء طعن فيه التركي ومات بعد أن نُقِل إلى المستشفى مؤشر على حجم الغضب المتراكم بخطاب العداء.

رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض هو رجل فاشي بسياساته، وأصبح برنامجه الوحيد ترحيل السوريين من تركيا بهدف جذب الناخبين الأتراك.

وعلى منهج سياسته الفاشية يسير باقي أعضاء حزبه المعارض بمثل هذا المنهج والتوجه المتطرف الفاشي، والإعلام يساعد على تمرير الأيديولوجيا وزرعها في أذهان المواطنين الأتراك البسطاء.

تبقى الغالبية الكبرى من الشعب التركي يعارضون هذه السياسة الفاشية والنازية التي تبنتها الجماعات اليمينية المتطرفة في ألمانيا واغتالت على أثرها «ضحايا الكباب» الأتراك الألمانيين بين عامي: 2000-2006.

إذًا الهجرة واللجوء حق يحفظه القانون الدولي. وفي الحروب يتوافد اللاجئون إلى الدول بحثًا عن الأمن، والصحة، والاستقرار، والتاريخ يحفظ هجرة الأتراك إلى ألمانيا بستينات القرن الماضي، وتلك الأيام نداولها بين الناس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد