رُب قائل يقول لماذا استغرقت الثورة السورية كل هذه المدة ولم يسقط النظام؟ مع العلم أن العالم كله يتعاطف معها ظاهريًا! إن الإجابة على هذا التساءل تتطلب منا أن نتساءل تساؤلا آخر وهو: ماذا فعل النظام السوري ليستمر؟ وببساطة إن ما فعله أنه حقق الاندماج على ثلاثة مستويات داخليًا وإقليميًا ودوليًا، كما لعب على المتناقضات.

فعلى المستوى الداخلي؛ عمل النظام منذ سيطرته على السلطة على تحقيق الاندماج مع الطائفية العلوية وليس مع المجتمع، وكأنه ومنذ وصول حافظ الأسد إلى السلطة يُعد لهذه اللحظة من تاريخ سوريا الحديث؛ فأصبح استهداف النظام هو استهداف الطائفة، وبما أنه لا تستطيع أي قوة اجتماعية أن تقضي على الطائفة داخليًا فلن يستطيع أحد القضاء على النظام، ناهيك عن أجهزة الأمن والمخابرات التي تتنافس فيما بينها على ترسيخ حالة الخوف وبناء جدران الصمت داخل المجتمع.

أما إقليميًا؛ عمل النظام السوري على ربط ديمومة النظام مع الحالة السياسية واستقرارها في لبنان، وربط استمرار النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان بديمومته، كما ربط ديمومته بحالة متناقضة ومطلوبة مع إسرائيل، وهي حالة “اللا سلم، واللا حرب” والتي تجعل منه مقاومًا وحاميًا لإسرائيل في المنظور الإستراتيجي، فهو يدرك أنه غير قادر على مواجهتها، كما تخاف إسرائيل من البديل القادم؛ خاصة أن بلدان الربيع العربي جميعها قد أفرزت الإسلاميين بعد الثورات، ما قد يفتح جبهة جديدة، إسرائيل في غِنى عنها.

وفي لبنان؛ يعد النظام السوري، الراعي الرسمي للحالة السياسية والأب الروحي لها، ومن يجب على جميع الأطراف أن ترضيه سياسيًا، فموازين القوى في لبنان ترجحها اليد السورية، وجميع التسويات السياسية يجب أن تمر عبر الاتفاق مع سوريا. وتتداخل علاقة النظام السوري في لبنان مع إيران، بدعم سلاح “حزب الله” الذي يشكل دولة داخل دولة، وتنظيمًا متقدمًا وعلى تماس في المواجهة مع إسرائيل، فمصير “حزب الله” مربوط بمصير النظام السوري.

فالحزب لا يستطيع أن يعرف نفسه بدون النظام السوري وولاية الفقيه وسلاح (المقاومة)، من هنا لن تسمح إيران بإسقاط النظام السوري، فسقوطه لن يكون إنهاءً لحلقة الوصل بين طرفي الهلال الشيعي فحسب؛ بل سيؤدي إلى تلاشي النفوذ الإيراني ويُحجم حتى في العراق، بناءً على معادلة تاريخية تقول:

“إذا عادت سوريا كما كانت؛ فسيعود العراق كما كان”، أي أن بوابة التغيير في العراق تبدأ من سوريا، وقد لاحظنا بعد انطلاق الثورة السورية؛ انطلاق الثورة العراقية وبدء تقلص النفوذ الإيراني في العراق.

دوليًا، كان وقوف روسيا والصين مع النظام السوري واضحًا، باستخدام الفيتو ضد قرارات مجلس الأمن، فالاندماج الروسي السوري ليس على المستوى السياسي فحسب بل على مستوى التسليح والعقيدة العسكرية. وحتى على المستوى الأسري؛ فهناك خمسة وثلاثون ألف ضابط سوري متزوج من روسيات؛ ويجيد اللغة الروسية.

من هنا يمكن القول أن الأزمة السورية ربما تطول وتطول بسبب توازنها الداخلي والإقليمي والدولي، وقد بدأت بوادر ذلك بإدخال قضية الإرهاب على الثورة السورية والعراقية؛ عن طريق تنظيم “داعش” الذي يرفضه الجميع داخليًا وإقليميًا ودوليًا، وبذلك تتحول الثورة السورية تدريجيًا؛ من ثورة من أجل الحقوق، إلى محاربة الإرهاب، الذي يتطلب تدخلًا خارجيًا قد ينتهي إلى التقسيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد