بات ملحًا أيًّا كان سبب اهتمامنا بالشأن السوري، إدراك طبيعة الصراع الدائر في سوريا الذي اتخذ طابعًا طائفيًا بين الشيعة والسنة نظرًا لأن الديمغرافيا المذهبية تؤكد دورها  كورقة جيوإستراتيجية في يد القوى الإقليمية والدولية في المنطقة، من هنا كان ضروريًّا إلقاء نظرة شاملة لتاريخ الفرز الطائفي لاسيما وسط الطائفة أو الطوائف الشيعية بتعرف انقساماتها في بلاد الشام أساسًا، نحاول من خلال هاته القراءة فهم ملابسات تاريخية التواجد السكاني الشيعي في بلاد الشام من منطق تفسيري بعيدًا عن لغة التهييج الطائفي المتبعة من طرف النظام الحاكم «المدعوم شيعيًّا سياسيًّا وشعبيًّا» أو قوى المعارضة «ذات الغالبية السنية»، لاسيما أن منطق المساحات والديمغرافيا الطائفية يطفو على سطح الصراعات الأهلية ويهدد بالتالي وحدة الأوطان الترابية والأهلية، فضلًا عن ارتهان جزء من المجتمع لقوى أجنبية معتقدًا في قدرتها على حمايته من جماعة الأكثرية، كما هو الحال بالنسبة للصراع الدائر في سوريا.

وحيث لا يمكن بحال إنكار طبيعة الأزمة الطائفية لاسيما أن الطرفين يوظفان التناقضات المذهبية جهارًا أحيانًا أو من خلال طرف خفي، وهذا التوظيف وإن كان بلا شك  يخضع لضرورات سياسية أكثر منها طائفية إلا أنه لا ينفي تاريخية الشرخ الطائفي في سوريا والتي تضرب في جذورها بعيدًا في بلاد الشام عمومًا، وهو ما نحاول تسليط الضوء عليه من خلال هذه المقالة، على أن نتبعها بدراسات أخرى تتناول العلاقة بين الطوائف الإسلامية في بلاد الشام في ظل الصراع العثماني الصفوي ودور الطائفية في تشكل الدولة الوطنية في سوريا، وأخيرًا دراسة طبيعة العلاقة بين إيران والنظام السوري ومحاولات البعث الشيعي في بلاد الشام.

ترتبط بلاد الشام في الذهنية الشيعية بمعطيين أساسيين فهي البلاد التي شكلت رأس حربة لمعارضة الإمام علي، وفي الوقت نفسه مثلت الشام مجالًا خصبًا لدعاته المبغوضين من سلطة سلفه الخليفة عثمان، والمقصود هنا الصحابي أبو ذر الغفاري، كما مثلت في الوجدان الشيعي معلمًا من معالم المظلومية الحسينية؛ حيث سبيت إليها حفيدات الرسول «عليه الصلاة والسلام»، لكن هذين الأمرين لم يشكلا قوة دافعة لمعارضة شيعية للسلطة التي تتخذ من سوريا موطنًا لعصبياتها الموالية.

غير أن بدء التواجد القبلي العربي الشيعي في بلاد الشام إلى نهاية القرن الأول الهجري بعيد فاجعة كربلاء سنة 63هـ، حيث لجأ خلفاء بني أمية لسياسة تعمد تقتيت القوة القبلية الشيعية في العراق وتوطين العشائر التي تظهر زعاماتها مهادنة للبيت الأموي في بلاد الشام التي كانت تعاني نقصًا ديمغرافيا مهولًا نتيجة للفتوح الإسلامية وما صاحبها من هجرة جماعية للمستوطنين الرومان مع بعض الموالين لهم من متنصرة العرب[1]، لكن انتشار العرب الشيعة ظل محدودًا في مناطق البوادي البعيدة عن أعين السلطة شمال غرب سوريا وحول طبرية ونهر الأردن، بعد سقوط دولة الأمويين وتحول الخلافة للعباسيين في العراق الذين كانت دعوتهم في البدء شيعية كيسانية انطلاقـًا من بلدة الحميمة بالأردن، ومع اعتماد هؤلاء على الموالي من الفرس والأتراك بعيد وصولهم للسلطة عانى العرب تهميشًا سياسيًا واجتماعيًا، ملأه دعاة الفرق الشيعية في الجزيرة العربية والشام، لاسيما في  العصر العباسي الثاني، ما أتاح الفرصة لقيام إمارات عربية شيعية هنالك.

استولى الحمدانيون من بني تغلب على حلب سنة 333هـ، وغدا المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي في الإمارة بأسرها، فكان حكم بني حمدان ثم بني مرداس في حلب من جملة الأسباب الداعية إلى تأصل التشيع في الجزيرة الفراتية، كما أن حركة أبي محمد الممدوح العلوي الذي قدم حلب في أواخر أيام سيف الدولة والذي نشط في نشر المذهب الشيعي، لقيت جهوده تأييدًا من الحكم واستجابة الساكنة الحلبية التغلبية، لكن برغم انتشار التشيع في شمال الشام وحلب بصفة خاصة، فإن المذهب السني ظل متأصلًا في قطاعات كبيرة بين سكان المدينة الأصليين، وفي طرابلس آلت السيادة فيها سنة 360 إلى الدولة الفاطمية الشيعية ونشأت في ظلها إمارة بني عمار العربية، وترتب على ذلك أن انتشر المذهب الإسماعيلي في المدينة وفي أغلب الجهات الساحلية، اعتمد الحمدانيون المذهب الشيعي وأغلب الظن أنه الاثني عشري[2]، نظرًا لما توفره الفكرة الانتظارية المهدوية من غطاء شرعي واستقلالية سياسية، وإن احتفظوا بتبعية اسمية براغماتية للخلافة العباسية الضعيفة في مواجهة الفاطميين والبويهيين.

غير أن قيام الدولة السلجوقية «429هـ/1037م» على أنقاض الدولة البويهية الشيعية في بغداد، وضع حد للنفوذ الشيعي السياسي والتواجد الشعبي، باستئصال التشيع من حلب وحمص وغيرهما من الحواضر الشيعية سهل من هاته المهمة استمرار انتماء ساكنة المدن الأصليين للتسنن وسطحية قناعات القبائل المتشيعة، كما أن السلاجقة جعلوا تجفيف منابع التشيع هدفـًا إستراتيجيًّا لهم، وهو العمل الذي واصلته أتابكيتهم الزنكية «تاريخ» في الشام ثم بقيام الأسرة الأيوبية «تاريخ» في الشام ومصر والتي قضت نهائيًا على دولة الإسماعيلية من الفواطم في مصر، كما أن الحروب الصليبية التي استغلت الصراعات المذهبية بين السنة والشيعة فاحتلت الساحل الشامي أدت لاجتثاث الوجود الشيعي والإسلامي عامة من طرابلس وأغلبية مدن الساحل الفلسطيني كعكا وحيفا ومن ضفتي نهر الأردن أيضًا لاسيما من نابلس وطبرية وقَدَسْ، أسفرت  كل هذه الأحداث التي اعترت بلاد الشام عن نزوح جماعي نحو المناطق الجبلية الوعرة مثل جبل عامل وجبال بهراء قرب اللاذقية وجبلة.

يلاحظ أن كل هذه الحروب الاستئصالية من إخوان العقيدة أو من الغزاة الصليبيين، لم تنجح في توحيد صف العرب الشيعة في الشام لمواجهة الخطوب، حيث ضعف التأثير السياسي للطوائف الشيعية ما جعله يتخذ طابعًا هامشيًا منذ العصر المملوكي، حيث تأثر استيطانهم في الأماكن الجبلية بالطابع العقدي بحيث اعتزلت كل طائفة في إحدى المناطق الوعرة الشامية، فالاثني عشرية يستوطنون جبل عامل بالساحل اللبناني بينما استوطن النصيريون المنشقون عنهم جبال بهراء التي عرفت باسمهم قرب اللاذقية فيما استقر الإسماعيلية بقاعدتهم القديمة في سُلَّمِيَّة ومحيطها  في ريف حماة، في الوقت التي اتخذ الدروز المنشقون عن الإسماعيلية جبل الشيخ والجولان قرب طبرية قاعدة لهم، سببت هذه العزلة غلوًا في المعتقدات وانقطاعًا عن المراكز الأكاديمية بالنسبة لكل مذهب حيث تركز وجود الفقهاء الاثني عشرية في العراق بالحلة وبغداد ثم النجف بينما ازدهر المذهب الإسماعيلي في الموت بفارس، هذا التهميش الذي اتخذ طابعًا سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا لم يكن بالضرورة ذاتيًا بقدر ما لعبت عوامل موضوعية كالاضطهاد المذهبي السني المشار إليه، والأهم من ذلك الانقسامات العقدية بين فرق الشيعة، والتي وصلت لحد الاقتتال بين النصيرية والدروز سنة وبين هؤلاء والاثني عشرية في حلب سنة قبيل أن يضع السلاجقة نهاية لكل هؤلاء.

عرف المذهب الشيعي انقسامات متعلقة تارة باجتهادات الأئمة العلويين بخصوص العلاقة مع السلطة وتارة أخرى حول طبيعة الإستراتيجية المتبعة عند تحديد هذه العلاقة، وعلى اعتبار أن التشيع مثل أيديولوجيا ترقى لدرجة اليوتوبيا بالنسبة لشرائح متباينة اثنيًا وعصبويًّا وطبقيًّا، فقد كانت كل فئة تدلي بدلوها استنباطـًا لاجتهادات الأئمة بما يتوافق مع ذهنيتها الاجتماعية والدينية السابقة للإسلام مع آمالها المستقبلية في حال نجاح الثورة العلوية المنشودة، وقد كان لمجمل هاته التصورات أبلغ الأثر على الخط الأمامي الذي اختار إستراتيجية الستر والتقية في مواجهته للسلطة الحاكمة؛ حيث إن أساليب التورية هاته ستدخل المذهب في دوامة من الانشقاقات والتفرعات التي لا تكاد تنتهي إلى يومنا هذا.

يتفق الإمامية الاثني عشرية مع الإسماعيلية حول النص الجلي من الله والوراثة العمودية بالنسبة للإمامة  والتقية في التعاطي مع المخالفين، إلا أنهم اختلفوا حول الإمامة بعد جعفر الصادق، حيث يقول الإسماعيلية بالإمام المستور كما ذكرنا، بينما اعتقد الاثني عشرية بالبداء ويعتبر هذا المفهوم الكلامي إحدى الحلول التي أقرها الإمامية الأوائل على خلاف حول سعته للخروج من أزمات وفاة الأئمة دون تعيين لخلف بنص جلي وهو ما يتناقض مع أساس المذهب الأمامي جملة، وقد كانت إحدى أكبر الأزمات التي كادت تعصف ببنيان المذهب تلك التي حدثت بعيد وفاة الإمام العسكري حيث انقسم الإماميون مرة أخرى حول من يخلف الإمام المتوفي دون عقب ما اضطرهم للقول بوجود ابن له غائب عن العامة يعود في آخر الزمن ليملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا.

لكن ما لبث الخلاف أن وقع حول وكلاء الإمام الغائب؛ حيث ادعى عدد كبير من المحيطين بالإمام العسكري المتوفى أنهم وكلاء لابنه المهدي الغائب، وكان أحد مدعي الوكالة ثم البابية إلى الإمام الغائب الداعي محمد بن نصير النميري، الذي كان من أقطاب الشيعة في البصرة، وكان يزعم ألوهية الإمام الهادي والد الإمام العسكري، وادعى لنفسه مرتبة النبوة والرسالة من قبل الإمام، وكان يقول بالتناسخ وقد تسربت إلى هذه الطائفة نظريات مغالية شبيهة بالكوسمولوجية الإسماعيلية لاسيما على يد آخر مؤسس لهذه الجماعة على ما في مدوناتهم السرية وهو حسين بن حمدان الخصيبي المتوفي حوالي 957م «هجرية؟؟» وكان قبل إسماعيليًا في البصرة قبل أن ينتقل لحلب لينشر عقيدته تحت حماية الحمدانيين، والتي انتشرت بشكل واسع في محيط اللاذقية بجبال بهراء حيث تداخل الطابع السري للعقيدة مع تأثيرات غنوصية محلية ووافدة، رغم اتفاق الشيعة الاثني عشرية والسنة على تكفير هاته الطائفة.

بعد الغيبة الكبرى للإمام المهدي «260هـ» انبرى فقهاء المذهب الإمامي الاثني عشري لوضع أسس المذهب، بحيث توضحت دعائم  العقيدة والفقه الإماميين منتصف القرن الخامس الهجري، حيث كانت الكتب الأربعة للأحاديث الشيعية، وهي حجر الزاوية في الفقه والحديث الشيعيين قد صنفت، كما كان علم الكلام الشيعي قد تخلص من الغلو الذي أظهره في مراحل نشوئه وازداد قربًا من المعتقدات المعتزلية، وجرى اتخاذ خطوات مهمة لتحديد أصول الفقه الشيعي ولوضع القاعدة النظرية لدور الفقهاء. حصلت هذه التطورات في مراكز تقليدية عدة لمذهب الإمامية مثل بغداد الحلة والنجف، لكن فكرة الانتظار وتحريم العمل السياسي لم تبارح مكانها.

غير أن عزلة الاثني عشرية في جبل عامل دفعت بأحد علمائهم الملقب بالشهيد الأول محمد بن مكي الجزيني «ت» إلى بذر البذور الأولى لفكرة النيابة العامة حيث ينوب الفقهاء في تطبيق بعض الأحكام الشرعية في ظل الغيبة، والتي سيوظفها عاملي آخر هو الشيخ علي بن عبد العال الكركي «ت»، الذي منح بعدًا إماميًا شيعيًا للدولة الصفوية الوليدة من رحم عرفاني بعيدًا عن غلو طائفة القزلباش الصوفية التي أرست دعائم الدولة الناشئة في القرن السادس عشر ورفعت ملوكها لدرجة تقترب من الألوهية، ما دفع بهؤلاء إلى السعي لإيجاد صيغة هوياتية فارسية شيعية موحدة من خلال التشيع الاثني عشري تدمج قوميات فارس ومعتقداتهم في وجه خصومهم العثمانيين السنة، لكن الصراعات الداخلية التي عرفها المذهب بين الأصوليين والإخباريين لاسيما إصرار هؤلاء على تحريم العمل السياسي في زمن الغيبة، ظلت تنتقص من شرعية الصفويين في نظر العرب الاثني عشرية.

ما دفع بالصفويين لدعم الحركات الصوفية المتشيعة الهرطوقية كالبكداشية والنصيرية، وهو ما ساهم في خلق جو من عدم الثقة بين الدولة العثمانية ورعاياها من المنتسبين لهاته الطوائف، من الذين يظهرون الولاء للدولة الصفوية الدولة العثمانية التي لم تكن تتوانى في شن حملات تأديبية كثيرًا ما اتصفت بوحشية الدولة القروسطية، ما خلق فجوة استمرت تداعياتها بعد سقوط الدولة العثمانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد