ماذا كان ليحدث لو أن عائلة واشنطن مثلًا استمرت في حكم الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليوم؟ أو أنّ أبناء نابليون استمروا في حكم فرنسا إلى اللحظة؟ أو أنّ أحفاد ستالين استمروا هم أيضًا في حكم روسيا إلى وقتنا الحالي؟ ماذا لو تكرّر ذلك في بلدان أخرى كان أساسُها ولبِنتها الأولى هي الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والحكم فيها؟ ترى كيف سيكون حال شعوبها حينها؟ هل ستنتفض أم سترضخ لسنوات وسنوات؟ هل ستطالب بالحرية والكرامة الاجتماعية؟ أم سترضى بعيش العبيد؟

في واقع الأمر لم يحصل ما استفسرت عنه في أي من البلدان والشعوب التي ذكرتها، لكنّه حصل في بلد عاصمته أقدم عاصمة في تاريخ البشرية، إنّها سوريا، أو بالأحرى، وكي لا نظلم دمشق وتاريخها، إنّها سوريا الأسد.

خمسون عام أو يزيد هي فترة حكم آل الأسد، حكمُ لم يشهد التاريخ الإنساني البشري أكثر منه قتلًا وقمعًا وتشريدًا لشعب ذنبه الوحيد أنه حفيد لخالد بن الوليد، استمرت بشاعة حال حكم آل الأسد حتى عام 2011، عامٌ لم يكن أشد المتحمسين للتغيير في سوريا يتوقع ما سيحدث.

منذ الوهلة الأولى لانتفاضة الشعب السوري قابل الأسد الابن ذلك بشتى أنواع القمع والوحشية، بدءًا من إطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين، مرورًا بالاختطاف القسري، وملء المعتقلات بالمتظاهرين، وانتهاءا بتقطيع الضحايا والتمثيل بهم وهم أحياء، استمرار القمع وتطوره في سوريا مع تقدم الثورة وسيطرتها على معم البلاد دفع الأسد إلى ارتكاب مئات المجازر، وبكل ما أوتي من قوة، مجازر كيميائية، وأخرى إعدامات ميدانية، ناهيك عن قصف المظاهرات والمدنين بالبراميل المتفجرة، هذه المجازر لم يجد الغرب لها دواءُ غير خطوط حمراء نصبها هذا الحاكم وذاك، خطوط أشهرها خطوط أوباما الحمراء، التي نسجت عشية ارتكاب الأسد واحدة من أبشع المجازر في التاريخ الحديث، حين قصف الحولة بالكيمائي مخلفًا آلاف الضحايا بين قتلى وفاقدي أملٍ في الحياة.

خطوط أوباما وغيره سرعان ما قطعت ، باتفاق على تسليم الأسد سلاحه الكيمائي، لتستمر بعدها الثورة السورية، والمظاهرات الحاشدة بعدها، حتى كاد النظام أن يبلغ من السقوط عتيّا، فكان من اختلاق بعبع للإرهاب بمسمى داعش كفيلًا في سحب الأنظار إلى إسقاطه وتوجيه أصابع من كان يجهز الجيوش لغزوه بأن الخطر هو داعش، بالرغم من ذلك قاتل السوريون داعش والأسد معًا، في محاولة لاستعطاف المجتمع الدولي وتضامنه، الاستعطاف ذاك والتضامن الدولي أتى سريعًا، لكن في الاتجاه المعاكس، فبعد أن كان نظام الأسد يعدّ ساعاته الأخيرة بسقوط عسكريّ، أتى العدد والعدّة من الحليف الروسي، تدخل روسي بشع بشاعة ستالين وبوتين يقلب طاولة الصراع المسلح ويكبد الشعب السوري الغالي والنفيس، انتصارات روسية بفخر أسدي جعلت من ممثلي الشعب السوري يركضون إلى طاولة المفاوضات، مفاوضاتُ لم يتغير على أجندتها سوى التواريخ ومكان الانعقاد، في وقت يعيش فيه أكثر من نصف السوريين ما بين خارج بالبلاد وداخلها المكهرب.

وصلنا اليوم إلى الرقم ستة، فبعد أن كنّا نبكي على كل شهيد يسقط، صار شهداؤنا بعد أن ألفنا الوضع أرقامًا، وبعد أن كانت قلوبنا تعتصر على كلّ سنة تمر، ونحيي فيها ذكرى الثورة السورية بدون جديد، صارت أرقام الذكرى وأعوامها هي أخرى مجرد رقم عابر، كل عام والسوريون ونحن معهم إلى الحريّة أقرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد