قد يتمنى الباقون على عهد الثورة السورية أن تحدث كل مطلع شمس المباراة الرياضية التي جمعت منتخب النظام السوري والمنتخب الأسترالي أو أي مناسبة شبيهة تظهر ما يكنه البعض من مواقف متذبذبة تجاه الثورة أو النظام من جمهور المعارضة على العموم. ولتساعد أيضًا في توضيح الرؤية وإصلاح ما يمكن إصلاحه في البوصلة الثورية. ليس هذا فحسب، بل ولتجرد البعض من ذلك الوجه الذي كانوا يخدعون فيه أنصار الثورة الحقيقيين على حد وصف بعض المعارضين.

تأتي المباراة في أوقات عصيبة تمر بها الثورة بعد عدة انتكاسات مرت بها كسقوط حلب وتقدم جيش النظام في بعض المناطق في محافظة درعا وريف دمشق على حساب الجيش الحر الذي بدأ نفوذه بالانحسار في الشمال الشرقي من سوريا، ناهيك عن سيطرة داعش والفصائل الكردية على مناطق واسعة في الشمال السوري ولهذا خيل للبعض أن الثورة دخلت مراحلها الأخيرة الآيلة للسقوط والتلاشي، مما دفعهم إلى البحث عن وسيلة تعيدهم لحضن الوطن تائبين مخطئين.

مع اقتراب بطولة كأس العالم في كرة القدم وتصفياتها كان تشجيع منتخب النظام هو الأقرب لهم والأنجع في سبيل إبقاء طريق العودة سالكًا في حال قررت المخابرات الجوية تصفح حساباتهم الشخصية ومنشوراتهم الأخيرة التي تتعلق بتشجيع المنتخب السوري لتكون مطابقة للمعايير والسماح لهم بالعودة تحت غطاء تسوية الوضع لعائد، نادم على ما اقترفت يداه من ثورة .

بعضهم يوحي موقفهم من الثورة السورية أنه مناصر واضح وجلي والبعض الآخر كان لا يمكن اكتشاف موقفه إلا إذا وجهت إليه السؤال ودفعته إلى الكلام بهذا الشأن. يروي عبد الرحمن أبو نبوت قصته وهو طالب سوري في كلية الصحافة والإعلام في جامعة بيروت العربية أنه وخلال إحدى الدورات الإعلامية التي حضرها، كان معه سليم (اسم مستعار) وهو سوري من إدلب الذي دار بينه وبين أبو نبوت نقاش حول الوجود العلوي في سوريا والظلم الذي يمارس على السنة. أوضح له أبو نبوت أن نسبة لا بأس بها من العلويين قد تم استغلال فقرهم وجهلهم من قبل النظام وأن ظلم النظام لا يقتصر على السنة. ولكن سليم وبحسب وصف أبو نبوت كان مدافعًا شديدًا عن الثورة والسنة في أقواله ونقاشاته. حيث وصف أبو نبوت بالاعتدال الزائد عن حده وأن العلمانية التي يؤمن بها هي التي ضرت الثورة. قبيل المباراة التي جمعت منتخب النظام السوري ومنتخب إيران، بدأ سليم بمنشورات فيسبوكية بصيغة جديدة يغلب عليها طابع الدفاع عن منتخب النظام. لم يقتصر سليم وآخرون مثله على ذلك فحسب بل زينوا صفحاتهم بصور شخصية تحمل العلم الأحمر الذي قتل شعبهم بوحشية، وتعليقات تحمل في طياتها قبول النظام ومشاركته بناء الوطن جنبًا إلى جنب. ناهيك عن تحولهم إلى ذلك النوع المتأفف الذي يلقي اللوم على الثورة.

وفي حالة كتلك التي في سوريا قد يتمخض حب الرياضة والشوفينية المبتذلة تجاه منتخب النظام عن تغيير كهذا في المواقف. ولكن مجموعة أخرى لا يلاحظ لها أي مبرر على تحولها الأخير. أو ربما قد يعتبر إظهارًا لما يخفيه القلب في العمق. طالب صحافة وإعلام يدعى عليًّا (اسم مستعار) قد أقنع الجميع بمعارضته للنظام خلال سنين الثورة السابقة، من خلال منشورات فيسبوكية تضامنية مع حلب وباقي المدن المحاصرة آنذاك بالإضافة إلى إظهار حبه لبعض رموز الثورة. لكن الآن الوضع مختلف تمامًا فعليّ الآن أخفى ماضيه الذي يدل على معارضته بإلغاء صفحته على فيسبوك المليئة بالصور الحمراء التي تدل على التضامن مع حصار ومجازر حلب والابتعاد عن أي حديث يتطرق إلى الثورة والنظام إلا أنه استبدل بذلك كله صفحة جديدة خالية من أصدقائه القدامى. لدرجة أنه بدأ بحذف أصدقائه من دفاتره وحظرهم على مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما تطاولوا على رموز النظام أو أدانوا الجرائم المرتكبة. فعلى سبيل المثال مقتل العميد عصام زهر الدين في دير الزور صاحب أشنع طرق القتل والذبح المبتكرة التي مارسها بحق المدنيين. لم يوفر علي زر الحظر لمناسبة أخرى بل قطع شعرة معاوية بعد أن رأى موقف أصدقائه من موت القائد المفدي عصام زهر الدين.­­­

لربما المثالان كانا بسبب ضعف الثورة في الوقت الحاضر وسياسة التطبيع مع النظام التي أبدت كثيرٌ من الدول العربية والغربية نيتها بتنفيذها ولكن ماذا عن هؤلاء الذين خسروا كل شيء داخل سوريا ولم يتغير موقفهم قيد أنملة، واصفين أنفسهم باليتامى، عربيًا ودوليًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات