هل انتهت الثورة؟ هل انتصر بشار الأسد؟

أكدت الضربة الأخيرة التي نفذتها الدول الغربية الثلاث ضد بعض القواعد العسكرية للنظام، أن الدول الغربية لا ترغب إطلاقًا بتغيير النظام، وأن كل ما يهم هذه الدول هو مصالحها التي لا تتعدى منع استخدام أسلحة الدمار الشامل وأمن إسرائيل، وقد عبرت البيانات التي أصدرتها كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بما لا يدع مجال للشك، أن لا أحد يرغب بتغيير النظام رغم الجرائم والانتهاكات التي اقترفها ضد شعبه والسؤال الذي يطرح نفسه، هل المخلص الوحيد للثورة السورية هو الغرب؟ وهل النظام السوري قد حقق فعلًا النصر على الشعب السوري وسيحكم سوريا لعقود قادمة؟

تدور هذه الأسئلة في أذهان كثير من السوريين الذين أرادوا الحرية والخلاص من الاستبداد الذي حكم بلدهم أكثر من أربعين عامًا، ذاقوا خلالها كل أنواع الوحشية والعذاب على يد نظام لم يهتم يومًا بمستقبل بلده أكثر من اهتمامه بالاحتفاظ بالسلطة وجعلها أداة بيد طائفته ومناصريه فحاز دعمهم المطلق بعد أن سمح لهم بممارسة كل أنواع الفساد واستغلها لاخضاع الشعب السوري، واستطاع الأسد من خلال نظامه السياسي تقسيم السوريين إلى طبقة حاكمة تجمعها المصالح الاقتصادية والنفوذ بالدرجة الأولى، إضافة إلى الطائفية والشعور المشترك بالتهديد الوهمي من أي تغيير سياسي قد يحصل في سوريا، وقد أدى ذلك الى عنصرية بغيضة يحملها أبناء هذه الطبقة ضد كل من يختلف عنهم من أبناء وطنهم.

 خرج السوريون إلى الشوارع مثل بقية شعوب الربيع العربي مطالبين بالحرية والكرامة وتداول السلطة، كأساس لنظام سياسي قد يعيد لهم وطنهم الذي فقدوه وصاروا أشبه بمن يعيش غريبًا في وطنه، وقد مضت الآن سبع سنوات منذ انطلاق صرخات الحرية التي طالب بها السوريين، سبع سنوات كانت مليئة بالأحداث الجسيمة على سوريا، عانى فيها الملايين من وطأة الحرب وظلم النظام وأعوانه، إيران وروسيا والمليشيات التابعة لهم.

وبعيدًا عن الأحداث المأساوية التي مرت خلال السنوات الماضية أو الدور الذي مارسته القوى الأجنبية، فإن الوقت قد حان لكي يناقش السوريون أخطاءهم ويتوقفون عن لعب دور المستقبل للأحداث وليس صانعها، وهذا يتطلب أن يواجه الثوار السوريون أنفسهم أولًا ومن ثم القوى السياسية التي تولت القيادة، وطرح سؤال: كيف يمكن لهم إنقاذ ما تبقى من سوريا والصمود في الأيام القادمة حتى لا تغرق كل السفينة.

أولًا وقبل كل شيء، أود أن أوضح أن هذا المقال يخاطب السوريين أصحاب الروح الثورية، الذين يملكون ما يكفي من الإرادة والطموح لكي يعملوا على بناء سوريا حرة ديمقراطية.

الثورة ليست رفض الظلم والمطالبة بالحقوق فقط، بل تعني أيضًا التجديد والإبداع، والاعتماد على الذات:

 اندهش السوريون منذ أيام قليلة بكميات السلاح التي غنمها النظام من الفصائل العسكرية المنسحبة من ريف دمشق، وكان التساؤل الأهم الذي طرحه الناشطون على الإنترنت: لماذا لم تقاتل المعارضة إذا كانت تمتلك كل هذا السلاح؟ أيام الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي، كان من شروط الانضمام للثورة على من يرغب بالقتال ضد الفرنسيين، أن يتولى بنفسه تكاليف تأمين سلاحه وركوبه وذلك لكي لا تخضع الثورة لأي استغلال مادي، علاوة على ذلك تميزت تلك الثورة بأن تمويلها كان وطنيًا خالصًا، حيث تولى تجار المدن الكبرى دعم الثوار وقد استطاعت الثورة إجبار الفرنسيين على تقديم تنازلات كبيرة آنذاك. الحال كان مختلفًا في ثورة السوريين ضد نظام الأسد، حيث يتضح ومنذ البدايات الأولى لتشكيل الفصائل المسلحة، أن الثوار كان شغلهم الشاغل الحصول على الدعم الخارجي وقد قبلوا هذا الدعم دون أي حسابات سياسية، بل قبلوا أيضًا ان يكون هذا الدعم وفقًا لقواعد و مصالح الداعم دون أي مراعاة لمصالح الشعب السوري واستقلاله السياسي.

 الخطيئة الأخرى التي اتسمت بها الثورة السورية، هي عجزها عن تشكيل قيادة عسكرية وجيش عسكري موحد، بينما يقاتل النظام وأعوانه تحت راية واحدة وتوجيه واحد هو بالدرجة الأولى إيراني – سوري. عجز الجيش الحر عن تشكيل وبناء قوة عسكرية قادرة على فرض أجندتها وفرض نفسها على الساحة الدولية بل إن أسماء الفصائل والتشكيلات العسكرية التي تحدثت باسم الثورة أكثر بكثير من مدن وقرى سوريا الثائرة.

يمكن القول أيضًا، إن الثورة لم تستطع تشكيل قيادتها الشعبية، مما ترك الثورة والشعب بحال من الفوضى كان من الممكن التخلص منها لو اعتمد الثوار على أنفسهم، بدلًا من الاعتماد على أجسام سياسية معارضة اختارت أن تكون بعيدة عن الأحداث ومجرياتها ولم تساهم بصنع الحدث على الأرض، بل إن هذه الأجسام السياسة كانت تتشكل وفقًا لرغبة وأهواء دول بعينها، حسب السوريين أنها داعمة لهم.

ورغم وجود مناطق محررة شاسعة، كان من الممكن الاستفادة منها بتشكيل سلطة تنفيذية لصالح الثورة تضع نصب عينيها تطبيق المبادئ التي طالب السوريون بها، خضعت هذه المناطق لنفوذ تشكيلات عسكرية وصارت أشبه بمحميات يحكمها أمراء الحرب الذين يتصارعون فيما بينهم بين الحين والآخر.

 الخلافات الفكرية والهويات السياسية، ما بين اليمين واليسار طغت أيضًا على الساحة السياسية مبكرًا جدًا من عمر الثورة، رغم أن الشارع السوري قد أجمع على مطالب وخطوط عريضة هي الحرية والكرامة والتداول السلمي للسطلة، إلا أن بعض الجهات السياسية قد حولت هذه المطالب إلى مطالب أيديولوجية طائفية لم ينادِ السوريون بها، والمزعج أن الفصائل العسكرية قد تبنت هويات أيديولوجية وضعت الثوة في قالب صغير بعيدًا عن المطالب الوطنية الجامعة للثورة السورية. أخيرًا أود أن أختم هذه الفقرة بأن أبرز أسوأ ما فعله السوريون، ألا وهو انتظار أن يكون المخلص خارجيًّا.

ورغم أنه يمكن لي أن اتفهم مطالبة السوريين بحظر جوي أو تدخل خارجي بعد المجازر التي ارتكبها النظام وحلفاؤه، وبيعه سوريا للغزاة الروس والإيرانيين، إلّا أن انتظار أن يكون المخلص خارجيًا أدى إلى تقاعسنا كسوريين عن حماية بلدنا وصد العدو، وكان هذا أحد أكبر أخطائنا، وقد تبنت المعارضة فكرة أن الخلاص من النظام الموالي لروسيا تمر فقط عبر نظام موال لأمريكا، ونسوا أن تشكيل قوة ثورية مستقلة ومتمسكة بالأرض وقريبة من الناس، هي الشرط الأساسي للحصول على الدعم الدولي.

علينا اليوم وبكل تأكيد أن نبدأ بإعادة حساباتنا والتفكير كثوار وليس كمقلدين ننتظر الآخرين كي يخلصونا من الأسد، ونطلب إعادة سيناريوهات يبدو أنها بعيدة ولا مصلحة لأحد بإعادتها (كوسوفو- البوسنة – ليبيا)، وبما أن الثورة كمفهوم ومعنى هي تجديد وتغيير، لذلك أدعو السوريين الذين صرخوا من أجل الحرية والكرامة أن يحاولوا التجمع من جديد وأن يوجدوا لأنفسهم كيانًا سياسيًا يتمسك بمبادئ الثورة الحقيقية ويحاول أن يكسب مكانة له على الأرض وخاصة في المناطق المحررة في الشمال (إدلب والباب وعفرين وجرابلس ) والجنوب في درعا، هذه المناطق يجب أن تكون نواة للثورة ونموذجًا لسوريا القادمة التي نحلم بها، سوريا التي يعيش فيها الناس بكرامة وحرية، هذا هو التحدي، هل يا ترى تستطيع النخب السياسية والثقافية أن تنجز هذا التحدي وتنزل من برجها العاجي في إسطنبول والدوحة والرياض وتعود إلى الأرض وتلتحم مع الشعب السوري وتفرض وجودها وتعطي أملًا للسوريين.

هذه رسالتي لكل تلك الكيانات المريضة التي تشكلت بأمر من الدول الداعمة مثل الائتلاف والمجلس الوطني، إما أن ينتقلوا إلى داخل سوريا ويبدأوا ببناء سوريا الحرة على جزء من أرضها أو يتوقفوا عن تمثيل السوريين وخاصة في هذه المسرحية التافهة التي تسمى مفاوضات جنيف التي نعرف تمامًا أن الأسد لن يتنازل فيها للسوريين ولا يمكن أن نصل إلى حلول وسطى مع نظام كهذا همه الأول والأخير احتفاظ الأسد بمنصبه كرئيس، والمفاوضات تحت غطاء دولي هي تمامًا ما يريده الأسد الذي لا يحمل هو وأعوانه أي مبدأ أو وجهة نظر مختلفة للأحداث يمكن التفاوض عليها، إنما هو مجرم قاتل يريد أن يتمسك بالسلطة التي ورثها عن أبيه ومن هذا المبدأ نستنتج أن المفاوضات ليست إلا مضيعة للوقت وذريعة لقتل السوريين باسم مكافحة الإرهاب.

بالأمس حذر ديمستورا من أن مصير إدلب قد يكون شبيهًا بمصير حلب والغوطة وهذه إشارة سيئة جدًا ، وهذا دق لناقوس الخطر وإشارة يجب أن يفهمها السوريون ويتحركوا عاجلًا لقطع الطريق على الأسد وروسيا من تكرار جرائمه في إدلب التي تؤوي ملايين السوريين الذين لم يبقَ لهم إلا هذه المحافظة كي يعيشوا فيها بعيدًا عن نفوذ الأسد، ولذلك لا بد من حماية إدلب وأن تكون هذه الخطوة هي الشغل الشاغل للمعارضة وقوى الثورة في الأيام القادمة.

أغمض عينيك أخي الثائر وتخيل معي، لو استطعنا إجراء انتخابات تمثيلية في المنطقة الشمالية والجنوبية، ينتج عنها مجلس تمثيلي وسلطة تنفيذية وجيش وطني مهمته حماية المناطق المحررة وتحرير سوريا من الاحتلال الإيراني، والمطالبة بحماية دولية للمناطق المحررة، وأن تكون العلاقة مع الدول الداعمة علاقة ندية وليست تبعية تسعى فيها القوى السياسية لتحقيق مصالح الشعب السوري والثورة السورية أولا، وأي دولة لا تحترم هذا فيجب علينا أن لا نضحي بمصالحنا إرضاءً للآخرين.

نحتاج إلى التعاون والثقة ببعضنا والتخلي عن الأنانية، وهذه العناصر لا بد أن يمتلكها كل من يؤمن بالثورة،لكي نصنع هذا التغيير الذي نأمله ونتمنى تحقيقه، ولا بد أن يكون لنا نموذجًا خاصًا تتحدث عنه الأجيال القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد