قد صُلب جميع الذين شاركوا في تلك الثورة من الذين بقوا أحياءً على طول الطريق من روما إلى كابوا. قاد سبارتاكوس ثورة العبيد الثالثة والأخيرة ضد الجمهورية الرومانية التي استمرت لسنتين إيمانًا منه أنه لن تتم محاصرته بعد تعاظم قوته وانتصاراته المتعددة على الجيوش الرومانية، ولكن ذلك حصل بالفعل على يد فيالق ماركوس تيرينتيوس فارو لوكولوس، فقد تمت محاصرة قوات سبارتاكوس، وكانت النهاية لثورة العبيد الثالثة.

قياسًا بالوضع في سوريا، فإن الثورة السورية قد تبددت قوتها وضعفت كثيرًا، وهي على وشك الموت بشكل فظيع، فإما أن تدرك الفصائل ذلك، وتتدارك العاصفة التي ستفتك بهم جميعًا من خلال قطع الصلة مع الداعم الخارجي والتوحد تحت غرفة عمليات واحدة لفتح الجبهات وإضعاف النظام، أو أن الثورة التي امتدت لقرابة الثماني سنين سوف تنضم إلى قائمة الثورات التي تم إنهاؤها مثل ثورة العبيد.

لذلك وفي الوقت الحاضر قد يكون تكرار الكتابة عن الثورة السورية وما آلت إليه ضرب من اللاواقعية، أو حتى وصف انتفاضة مارس (أذار) بالثورة الشعبية قد يكون جاذبًا للاستهزاء. وبناءًا على ذلك أصبح لفظ كلمة ثورة يستدعي الخجل خشية الوقوع في خانة المتهَم بالسريالية. فالتردد هنا سيد الموقف بين المضي قدمًا في الكتابة ومحيه. ففي حال الاستمرار في الكتابة ينبغي للكاتب أن يعدل مصطلح ثورة، ويستبدل به مصطلحات بديلة قد تكون على سبيل المثال: حرب، صراع، أو أحداث، أو بلا ذلك كله فمن الممكن أن يضع مصطلح ثورة بين إشارتي اقتباس، وينتمي بذلك إلى تلك المدرسة ذات الماضي المعارض للنظام السوري التي بدأت باستخدام اشارتي الاقتباس حين تتكلم عن الثورة.

يقول فداء عيتاني الصحافي اللبناني المشاكس كما يعرف المختص بالشأن السوري أن الثورة السورية قد هزمت منذ عام 2012، لكن لم تنته فهي كوّنت طبقتين من الصراعات فوقها. فبعد أن خرج الشعب السوري عام 2011 في ثورة ضد نظام عائلة الأسد الحاكم للبلاد منذ أكثر من خمسة عقود، شيئًا فشيئًا أدخل إلى الثورة طبقة الصراع الطائفي المذهبي بين السنة, الشيعة, والعلويين ثم أضيف إلى ذلك كله الطبقة الثالثة من الصراع ألا وهي طبقة الصراع الدولي. يضيف عيتاني, سورية أصبحت صندوق بريد للقوى الدولية, فكل دولة ذات قوة توجه رسالة إلى دولة أخرى من خلال سورية. وعلى حد وصف عيتاني, حري بأصحاب الثورة الآن الإعتراف بهزيمتها لا بإنتهائها والتفكير في الخطوة القادمة وماهو المطلوب فعله في المرحلة المقبلة قد بات ضروريًا.

وفي السياق ذاته, تساءلت الصحافية السورية هنادي الخطيب, هل هُزمت الثورة؟ أردفت قائلة “الهزيمة لا تعني بحال من الأحوال إعلان نعوة للثورة، ولكن الاعتراف بالهزيمة هو بداية ثورة جديدة، وهذا مالا يحدث في الوضع السوري، فلا نحن اعترفنا، ولا استطعنا القيام ببداية جديدة” في إشارة منها إلى ضرورة تقبّل حقيقة الهزيمة ليتسنّى للثوّار الإنتقال إلى المرحلة المقبلة من الثورة. تكمل الخطيب “السوري المشرّد واللاجئ والشّهيد وأهل الشّهيد أدركوا المأساة مبكرين، وانتقلوا إلى مرحلة النقد، وهذه سابقة بتاريخ الثورات، أن يسبق الناس النخب والمثقفين والسياسيين والعسكريين بمراحل، لأن فعل النقد والمحاسبة لم يحاول أي من تلك النخب التفكير به أو الحض عليه، لأنه سيكون من أوائل المحاكمين”.

تلقي الخطيب سبب عدم وجود أي إنتصار يتباهى به الثوار إلى الإخفاقات الهائلة للمعارضة السياسية والعسكرية على الأرض, فعلى حد وصف الخطيب فإن الإغراق في الشعارات لايحمل نية طيبة. وختمت هنادي الخطيب: “أعتقد أنه من واجبنا اليوم أن نقف قليلًا ونعترف بالهزيمة، ونواجه أخطاءنا ولا نرميها على الآخر, ومن ثم يمكن لنا أن نتابع ما بدأناه في هذه الثورة، فالثورة لا تموت، ولكنها قد تهزم”.

على الأرض يطوي النظام وحليفه الروسي ملف ريف حمص الشمالي وريف حماة الجنوبي بعد تسوية وضع القلمون الشرقي, ,ويبدأ بفتح ملف القطاع الجنوبي (منطقة درعا) بعد زج العميد سهيل الحسن “النمر” بتعزيزات جديدة على خطوط الجبهات مع درعا وريفها. في هذه الأثناء تعالت الأصوات الأمريكية محذرةً من مغبّة إنتهاك منطقة خفض التصعيد الجنوبية, والجدير بالذكر أن المنطقة الجنوبية تخضع بموجب إتفاق روسي أمريكي أردني لإتفاق خفض التصعيد.

وبهكذا نال النظام من كتف الفصائل مجمّعًا إياها في إدلب لتبقى مجهولة المصير إلى أجلٍ مسمى وهو إغلاق ملف درعا; إما تركها وأهلها وفصائلها لكونها حساسة ومهمة للجانب الأمريكي والإسرائيلي أو عودة سيطرة النظام عليها بعد إتفاق روسي إسرائيلي يشترط إبعاد الميليشيات الإيرانية عن المنطقة الجنوبية القريبة من الحدود الإسرائيلية. الجدير بالذكر أن نهاية كنهاية “سبارتاكوس” قد تكون من أفظع النهايات التي يحظى بها شعب في العصر الحديث بل ومن أشدها ألمًا. فتقريبًا كل المؤشرات على ذلك قد اكتملت, في ظل عيش الفصائل لحظتهم في الشمال دون التفكير للحظة في المرحلة المقبلة مع إنعدام أية خطة تنجيهم مما ينتظهرهم. الفصائل بشكل عام يستندون إلى فكرة التقسيم ويعلقون عليها الآمال بترك النظام إدلب والشمال بيدهم ناسين أن حتى فكرة التقسيم ربما لم ولن يقتنع بها النظام وحليفه الروسي وسيحاولون التقدم إلى الشمال بعد إتفاق مع تركيا على سحب نقاط المراقبة التي نصبتها تركيا حوالي إدلب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد