الثورة السورية إحدى ثورات الرّبيع العربي، التي لم تُؤتِ أكلها، ولكنّها خلفت دمارًا كبيرًا غيّر معالم البلد، حرق الشّجر والحجر، وشرد البشر، ناهيك عمّن قُتلوا تحت براميل الفسفور، أو دفنوا تحت ركام بيوتهم بفعل طائرات القتل، مرورًا بالذين غرقوا أثناء هروبهم عبر البحر، وأدري أنّ هذا صنيع النّظام، النّظام الذي لم يرحم، ولن أظن في بلداننا العربية أنظمة تُصنع لمصلحة الوطن، ولكن الأنظمة تصنع لمصلحة أناس بعينهم، من الرئيس لمن يتبعه من مسؤولين!
غَيْر أن عنوانًا واحدًا كان لتلك المرحلة هو: الموت!

وهذا الموت كان حصاد النظام والثورة، كلاهما بيده سلاح ويقتل، أدري أن سلاح النّظام قد تفوق لأنّه استعان بدول عظمى، لكن الثورة سمحت لبعض الأطراف بتزويدها بالسّلاح، ولا أدري كيف تسارعت أحداث الثورة للقتل والتشريد، بل كيف أضحى السّوري لاجئًا، ومشردًا، كيف هرب من بلاده؟!

فأي ثورة تلك، التي يهرب ناسُها، ويُشرد أهلها، أي ثورة تلك التي يُدار لها الظّهر، الثورة لا تحتاج من يُطبل لها من بعيد، ولا من يحولها لمخيمات لاجئين ومساعدات ومعونات، الثورة لا يهرب أبطالها، لذا أقول ما يحدث في سوريا ليس بثورة، ولا في أي بلد من بلداننا العربية، هي مُجرد اقتتال على المصالح.
أنا لا أدعم حزبًا، لكني مُنذ اليوم الأول للثورة السورية قُلت أنا لست معها، لست معها بالمعنى الحرفي؛ لأنّني كنت أرى في كل شبر دمارًا، في كل خطوة قتلى، في كل بيت أمًّا ثكلى، ولأنّي لا أراها ثورة؛ فالثورة لا تُمد بالسّلاح، الثورة التي تُمد بالسلاح الظاهر، تحته ألف خط أحمر.
لمَ يُسمح بتزويد الثوار في سوريا بالسّلاح بينما يُمنع في مصر؟!
بل قبل ذلك الفلسطيني منذ سبعين عامًا وهو يحارب بالحجر، لم نجد من يزوده بهذا السّلاح، حتى القوات العربية التي جاءت متأخرة تحمل بضع قطع من السّلاح للفسطينين، قيل فيما بعد أنّه فاسد؛ فالسّلاح إذن يزود حين يرفعه العربي ضد أخيه العربي، ويمنع حين يرفع ضد معتد أو محتل.

إذن من المستفيد من الثورة ضد النّظام السّوري «وأنا هنا لا أبرئ النّظام، لا أبرئه من القتل» ولكن الذي دفعني للكتابة بعض من يدعي المعارضة ولا عمل لديه إلا أن «يطخ» مثاليات من خلف هذه الشّاشة، بل لا عمل لديه إلا أن يُهاجم فلانًا لأنّه مدح قائدًا ما، أو يهاجم غيره لأنّه أعلن قربه من دولة معينة، أو شتم حزبًا آخر لأنه يعلن تعاونه من دولة تدعم نظامه.

بعض معارضي النظام السّوري «سُذج» لدرجة غير معقولة؛ لأنّهم هربوا من بلادهم، تركوها مرتعًا للمنتفعين، وهربوا،
حتى البلاد التي هربوا إليها لم تسلم منهم، بل أخذوا ينتقدونها ليلًا ونهارًا، وكأنّ لهم حقًا يجب أن يحوزوه، أقول لو كنتم تدعمون ثورتكم لما تركتكم بلادكم، لو كنتم تدعمون ثورتكم لانشغلتم بلملمة جراحها، لو كنتم تدعمون ثورتكم لما انشغلتم بمهاجمة الناس هنا وهناك، حتى بعض قادة الثورة لم يسلموا من «دعاة الثورة»، لم أرَ أوقح من ثورة ينشغل مؤيدوها بمهاجمة النّاس، اقرأوا تاريخ كل الثورات التي مرت بنا، لن ولم تجدوا كدعاة الثورة السّورية، النّظام ليس بريئًا، والثورة غير صائبة، قد لا يستويان في الشّر لدي، لكنّهما غير معفيين من اللوم، ثورة شتتت النّاس، وثكلت النّساء، وَقتلت من قتلت من الأبرياء ليست بريئة.
حين لم يحيَّد الأبرياء من الحرب، فالكل سواء.
حين تُدعم ثورة بالسّلاح على مرأى الجمع، فهناك طرف ثالث!
حين لا يكون للثورة خيارات مفتوحة، فهي ساذجة.
حين يُعمد لمهاجمة مقدرات البلد وخيراتها، فهناك أيد خفية.
الثورة في سوريا، فتحت بابًا للنظام وأعطته ذريعة ليفعل ما فعل.
وما أقبح من تلك ثورة إلا نظام استقوى على الشّعب الضّعيف الذي غدا ضحية في ظل كل ما حدث.
ما الذي حدث في سوريا؟! دمار، دماء، قتل، تشريد، ثكلى، أسرى.

من سيصلح كل هذا الدّمار؟ من سيعد للأمهات الثّكلى أبناءهن؟! من سيعد الأمان والأمن للأطفال؟!

ليت العقلاء رأوا أبعد من المصالح، ولم يحلوا نزول قطرة دم واحدة، وما زلت أذكر ما ورد في الأثر، مما رواه  ابن عساكر في (تاريخ دمشق) عن عمرو بن العاص – رضي الله عنه- أنه قال لابنه عبد الله: يا بني! سلطان عادل خير من مطر وابل، وأسد حطوم خير من سلطان ظلوم، وسلطان غشوم ظلوم خير من فتنة تدوم.

والخاسر الوحيد من؟! الشّعب، الشّعب بكافة شرائحه!
أصلح الله حال هذه الأمّة، وجبر كسرها، وفرّج كربها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد