أذكر أنني كنت أستمع مرة إلى أحد شيوخ العرب الذين كان لهم اتصال بحرب التحرير الأفغانية ضد الروس وذكر هذا الشيخ أنه حضر مرة اجتماعًا مع قادة الفصائل الأفغانية السبعة – وكانوا يومها جبهة واحدة ضد السوفيت – وكان أحد العلماء حاضرًا لهذا الاجتماع، فطلب هؤلاء القادة من هذا العالم الدعاء لهم، فرفع الشيخ يديه بالدعاء وهم في إثره يؤمّنون، فإذا به يدعو بالعربية – التي لا يفهمونها – «اللهم أهلك هؤلاء القادة جميعًا إلا واحدًا»، وهم يصيحون خلفه «آمين». لم يكن مراد الشيخ من هذا الدعاء إلا تجنب هذا المصير المحتوم والهول المحتوم، هول الاقتتال الداخلي والنزاع الذي لابد حادث لغياب القيادة الموحدة. وفي شهر مارس (أيار) عام 1989 انسحبت القوات الروسية من أفغانستان. وخلال السنوات التالية لهذا الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، اشتعلت الحرب الأهلية الضروس بين قادة هذه الفصائل الأفغانية السبع حتى كاد أن يُفني بعضها بعضًا لولا قيام حركة الطالبان وسيطرتها على معظم أرجاء البلاد في أواخر التسعينيات، والتي ظلت بدورها في حرب أهلية مع أحد هؤلاء السبعة وهو أحمد شاه مسعود حتى الغزو الأمريكي في 2001.

فإذا كان هذا حال الفصائل الأفغانية ضد الروس، فإن حال فصائل الثورة السورية أكثر تشرذمًا وضعفًا أمام عدو أكثر تماسكًا وقوة. فمنذ قيامها والثورة مثال صارخ على التفرق والتشرذم والاقتتال الداخلي البغيض، فحالات الاقتتال الداخلي بين طوائف الثورة تتجاوز المئات وحجم خسائرها نتيجة لذلك الاقتتال تكاد تساوي خسائرها نتيجة نكاية عدوها بها. فأنّى تنتصر ثورة هذه حالها وقد كانت قادرة على الإطاحة بالأسد خلال أقل من سنتين لولا هذا التشرذم البائس.

لقد أكثر محللو الثورة من الإشارة إلى هذا الخلل الرهيب والعطب العظيم، ولم يكتفِ كثير منهم بالإشارة إليه، بل أتبعوا ذلك بدعوات الوحدة والاعتصام واقتراح المبادرات والقيام بالحملات. ولكن لم يؤد هذا إلى النتيجة المرجوة، لم يؤد إلا إلى إنشاء بعض غرف التنسيق العسكري مثل غرفة جيش الفتح وغرفة تنسيق فك الحصار عن حلب والتي لم تحقق إلا بعض الانتصارات القليلة التي عادة ما يعقبها نزاع لنسبة هذا النصر إلى فصيل واحد أو جبهة بعينها.

أدت مأساة حلب التي شهدناها في الآونة الأخيرة إلى تسارع جهود الوحدة، ولا أشك أن قادة الفصائل السورية مجتمعون الآن وأحسبهم على وشك التوصل إلى اتفاق يدشن هذه الوحدة المباركة إن شاء الله ولكني أرى في الأفق عيبًا خطيرًا وغمامة سوداء تطوف فوق هذه الوحدة، إنها غمامة تغلب العسكر.

يوجد على أرض سوريا عشرات الفصائل المقاتلة، ولكنك نادرًا ما تجد فيها فصيلًا بحجم «جبهة فتح الشام» أو «جبهة النصرة» سابقًا، فهذه هي أكبر فصائل الثورة وأقواها وأشدها نكاية في العدو ولن تقوم وحدة فعالة إلا بها. هنا تكمن المشكلة ويلوح الخطر، فمجرد بدء التفاهمات حول الوحدة سيظهر ظل قائد بعينه وسيكون هو إما الحل وإما العقبة الكؤود في وجه قيام هذه الوحدة، إنه أمير فتح الشام «أبو محمد الجولاني».

المشكلة هي أن «أبا محمد الجولاني» أمامه خياران: الأول هو الاستغناء عن إمارته هذه والدخول بفصيله تحت لواء هذه الوحدة بلا شروط، والثاني هو أن يقبل بهذه الوحدة بعد فرض شروطه والتي لابد أن تتعلق بتوزيع السلطات والصلاحيات داخل هذا الكيان الوحدوي الناشئ. وأحسب أن هذه الشروط سوف تتعلق بقيادته المطلقة للملف العسكري بالكامل مع صلاحيات كبيرة للتدخل في الشأن السياسي كذلك. الحقيقة هي أنني لا أدري لماذا يختار الجولاني الخيار الأول وما الذي يجبر مثله على القبول بهذا وهو في موقعه من القيادة والصدارة، ولكن هنا تكمن المشكلة ويلوح الخطر. فإن العسكري إذا سيطر على القرار فأبشر بالخيبة والبوار. لماذا؟

تكمن مشكلة إدارة العسكر للسياسة في أمرين

أحدهما أن العسكري، وخاصة قائدًا بخلفية الجولاني، لا يستطيع غالبًا إدارة الشأن السياسي الأوسع من مجرد الحرب والقتال. إن العسكري المحترف يرى العالم بلونين، إما أسود أو أبيض، ينظر إلى الخارطة فلا يرى إلا نوعين من الناس، إما عدوًا وإما صديقًا، قد يرى الهدف بوضوح ولكنه لا يبصر إلا طريقًا واحدًا إليه وهو طريق الحرب والقتال حتى النصر أو الشهادة. إن هذه الصفة في العسكر لهي صفة محمودة مشكورة، فهذه هي وظيفتهم وهذا هو عملهم، النصر أو الشهادة، ولكنها تصبح صفة خطيرة إذا ما وُكل هذا العسكري وبهذه النفسية لإدارة الشأن السياسي العام الذي هو أوسع مجالًا وأبرح منزلًا. تصبح هذه المشكلة أشد وأعنف إذا ما قُرنت مع المشكلة الثانية.

تأتي المشكلة الثانية لتفاقم من الأولى إذا حصل العسكري على هذا التأثير في الشأن السياسي بقوة سيفه وتحت ظلال رماح أصحابه. فهنا تكمن المعضلة الكبرى والخطر الأعظم. فبهذا يتكون لدى نفس هذا العسكري شعور بالمن المصحوب بشعور بالازدراء لشركائه في الوحدة، هذا الشعور بالعلو والفضل الذي ما يلبث أن يتسلل إلى نفوس أصحابه ممن حملوه برماحهم إلى ذلك الموقع، فبسيوفهم ورماحهم قد حملوه إلى موقع التأثير هذا وهم كذلك من يملك عزله، وعندها نكون قد خرجنا من تأثير عسكري واحد إلى تأثير آلاف العساكر الذين يظنون أن بفضلهم وحدهم قامت هذه الوحدة وهم وحدهم القادرون على إبقائها أو نقد عراها، وهم وحدهم لهم الكلمة الأولى والأخيرة في قرارها. وهنا يتسلل البغض والنفور إلى نفوس زملاء الوحدة حتى تسقط مرة أخرى كحبات عقد منفرط.

علينا هنا أن نذكر رفض النبي – صلى الله عليه وسلم – نصرة قبيلة منيعة من العرب حينما كان في أشد الحاجة إليها وقد مات عمه وذهب سنده وبغت عليه عشيرته وأخرجه قومه حتى سعى يطلب النصرة من إحدى قبائل العرب الموجودة في مكة لموسم الحج. عرض النبي دينه على إحدى هذه القبائل وطلب منهم النصرة، فأبوا أن يمنحوه نصرتهم إلا أن تكون لهم الإمارة من بعده، فرفض النبي هذا بشدة وانصرف يبحث عن نصرة قبيلة أخرى حتى أكرمه الله بالأنصار من يثرب. وفي بيعة العقبة الثانية – التي بايع فيها الأنصار على أن يمنعوه وينصروه – سألوا عن ما سوف يُعطون في المقابل فلم يكن للنبي إلا جواب واحد «الجنة»، فقالوا «ابسط يدك نبايعك». فرضي الله عن الأنصار الذين بذلوا أموالهم ودماءهم ثمنًا لنصرة الحق ولم يطمعوا بإمارة ولا ملك.

فإن قال قائل هؤلاء هم الصحابة فأنَّى لنا بتجردهم وأخلاقهم، قلت، فبمن نقتدي إذًا إن لم نقتد بهؤلاء الأعلام العظماء. ولكن لا بأس، دعني أذكر لك مثلًا آخر من غير الصحابة، بل من غير المسلمين أصلًا.

بعد حرب الاستقلال الأمريكية التي خاضها أهل المستعمرات الأمريكية (الولايات الآن)، بدأت مفاوضات الوحدة بين هذه المستعمرات. ولكن كان هناك ظل كثيف جدًا لرجل بعينه قال عنه المؤرخون إنه لو أراد لجعل أمريكا كلها إمبراطوريته الخاصة ولما استطاع أحد الوقوف بوجهه، إنه قائد الجيش المنتصر ذو الشعبية الجارفة بين الشعب والجيش، إنه الجنرال «جورج واشنطن». فماذا فعل هذا القائد المنتصر المحبوب؟

ذهب جورج واشنطن إلى البرلمان القاري المدني المنتخب وسلم سلاحه ومعه خطاب يذكر فيه مستحقاته المالية المتأخرة ثم رجع إلى مزرعته الصغيرة التي كان بها قبل الحرب وظل بها حتى استدعاه دُعاة الوحدة الأمريكية لحضور كتابة الدستور ومن ثم انتخبه الشعب بإرادته الحرة ليكون أول رئيس للولايات المتحدة الأمريكية.

لا أدري لماذا فضل واشنطون هذا الخيار وقد كان مقدوره أن يصبح ملكًا مطلقًا وأن يورث الملك لأبنائه وأحفاده، لعله لم يكن بهذا الطموح ولعله كره الملكية والاستبداد، بل لعله أدرك أن الشعب الذي أحبه من السهل أن يبغضه إذا أظهر الاستبداد والأثرة ولعله أدرك الحكمة البالغة من منع أي فرد من السيطرة على السلطة بقوة السلاح. فهل يدرك الجولاني هذه الحكمة؟

الخلاصة: إن الثورة السورية تتجه إلى الوحدة بين فصائلها المقاتلة ولكنها بالرغم من ذلك تواجه مفترق طرق خطيرًا للغاية. وللأسف نجد أنفسنا أمام أحد تلك المواقف القليلة في التاريخ التي تتوقف فيها العواقب على اختيارات رجل واحد وهو «أبو محمد الجولاني». فإن اختار ترك الإمارة الجبرية بقوة سلاحه وفصيله والانضمام إلى هذه الوحدة دون قيد أو شرط مستشارًا ومقاتلًا مؤتمنًا، فهذا هو الفلاح وأول طريق النصر بإذن الله. ولكنه إن اختار الطريق الثاني – وهو غالبًا فاعل – وفرض نفسه بأن يكون المسؤول الأول عن الشأن العسكري مع شروط أخرى تخوله التدخل في الشأن السياسي أيضًا، فهذا أول طريق البوار والخسران لا قدر الله.

في النهاية فإننا لا نرجو هذه النتيجة ولكن لكل أمر مقدمات وعواقب، ونسأل الله أن ينصر الحق وأهله ويهلك الباطل وأهله.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد