default-avatar
محمد حسن
default-avatarمحمد حسن

اعتاد الشعب السوري على عيشته البسيطة، على الرضا بما يملك، فقير أم ملعون، في جيبه مفكرة الديون المرعبة وخريطة للهروب من سمّاني الحي، هو سعيه للبقاء على قيد الحياة.

هرولة دائمًا يتحوّل معها إلى عدّاء أوليمبي حتى لا يلحق بركب مفارقي الحياة جوعًا في مجاهل إفريقيا، ثم حالة الرعب الأمنية المضافة التي تغيرت وتطورت لاحقًا إلى رهاب وشك دائمين يلاحقان السوريين أينما ذهبوا، وتكرّست في الأذهان أزمة الملاحقة المخابراتية اليومية، وتشكّلت لديهم أزمة نفسية على شكل شيطان يحاسب ويراقب بدقة كما العفريت الأحمر على كتفنهم الأيسر، هو في الحقيقة عنصر المخابرات. الصمت فقط، يمكن أن يُنجي صاحبه من الموت «مخابراتيًّا»، لكنه قد يودي بحياته لـ«جلطة التفكير الصامت».

ولكن المناخ الثوري بعد ثورات الربيع العربي التي انطلقت في بعض البلدان العربية، دفع السوريين إلى القيام باحتجاجات عفوية وسلمية آملين أن يحصدوا بعضًا من حقوقهم المسلوبة من قبل رجالات السلطة السورية، متأثرين بنجاحات الشعوب الأخرى كتونس ومصر، وبعدهما ليبيا واليمن، إذ أطاحوا رؤساء تلك الدول، فانطلقت في آذار/ مارس 2011، الثورة السورية من جديد، للمطالبة بحريات الشعب المقموع، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف حالات الاعتقال العشوائية، ومكافحة الفساد، ولكن سرعان ما انتشرت في جميع المدن والمناطق السورية. فتوِّجت أولى المطالب برفع قانون الطوارئ، فحاول النظام السوري حينها امتصاص غضب المتظاهرين، تارة بالترهيب والاعتقالات، وتارة أخرى بالوعود الفارغة، ومع ازدياد وتيرة الاحتجاجات (بعد رفضه الواضح لعدم اتخاذ أي قرارات تحقق بعض المطالب وتخفف عن الشعب السوري حمل مطالبهم)، انتهت الشعارات بالمطالبة بإسقاط النظام طالما أنه لم يعِ مطالب الشارع السوري، فواجه النظام حملات عسكرية مقابل المدنيين في أغلب المناطق السورية، مما أدى إلى اتخاذ الشعب السوري لشعارات «الموت ولا المذلة»، أسوة بشهداء الثورة السورية الذين سقطوا بالاحتجاجات بمواجهة جيش الأسد.

بعدها أعلن النظام في الرابع والعشرين من آذار/ مارس عن حزمة مما أسماه بـ «الإصلاحات»، وفي مقدمتها رفع قانون الطوارئ (النظام الاستثنائي الذي تحدده الحكومة في حالات الحرب، أو قيام حالة تهدد بوقوعها، أو في حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي الجمهورية أو في جزء منها للخطر بسبب وقوع اضطرابات داخلية، أو وقوع كوارث عامة)، يُلخص بآثاره التي تنعكس سلبًا على الشعب السوري، نذكر منها: انعدام ممارسة السلطة القضائية لأية صلاحية بصدد الاعتقالات، ومراقبة الاتصالات الهاتفية والبريدية، ومنع المحكومين بعد الإفراج عنهم من الحصول على جوازات سفر بأوامر الأجهزة الأمنية، وطغيان الأجهزة الأمنية والرعب، وإلغاء حصانة الملكية الفردية، ومصادرة الآلاف من دور السكن بحجة الأمن.

تختلف الثورة السورية عن ثورات باقي الدول التي حققت نجاحات «على الأقل مقارنة بثورة الشعب السوري»، أن النظام السوري انغرس في فكر وعقائد وعقول وأذهان البشر والحيوانات، أكثر من شجرة الكينا التي تُعتبر أكثر نبتة انغراسًا في الأرض.

حكم آل الأسد طوال الـ 40 عامًا المنصرمة أجيالًا ترعرعت في ظل وجود هذا النظام، بفكره، وعاداته وممارسته مع مواطني الدولة التي يحكمها. فإن الذات الإنسانية المقموعة تحت ركام من القهر، ستحين لحظة انبثاقها وانفجارها، وتخرج من ذواتها معاكسة واقعها المرير، هذا ما جرى في الثورات بدءًا من تونس، وانتهاءً بالثورة السورية التي غزت مجرياتها وأحداثها والثورات التي قبلها شاشات التلفزيون وحديث شعوب العالم إلى يومنا هذا، ولا نعلم الوقت التي ستمضيه الثورة للوصول لنتائج ضئيلة مرجوة بعد تراجع العديد من مبادئها، وما بعد سقوط النظام الحاكم.

سابقًا، قَلما كان يدور حديث سياسي بين السوريين قبل اندلاع الثورة السورية، فـللحيطان آذان هي جملة لطالما سمعت بها في أوساط الاجتماعات والتجمعات الشبابية، كوجودنا في رابطة الشهيد أمين النجار التابعة لمنظمة (اتحاد شبيبة الثورة)، المنظمة الوحيدة في سوريا التي كانت تجمع الشباب اليافعين لترسيخ فكرة حزب البعث ليس إلا، تأسست في يناير 1970 بمرسوم تشريعي من حافظ الأسد آنذاك، حتى التصرفات الخارجة عن طاعة أعضاء الرابطة كنا نتلقى بسببها عقوبات عديدة، يبحثون عن الثغرات التي تزعجك ويفصلونك عنها، بعد أن كانت الرابطة هي فعلًا المكان الوحيد التي يجمعنا في ذلك الوقت، لنتحدث عن يومياتنا، ونستخدم ما أتيح لنا من مواد موجودة داخل مقر الرابطة، شريطة أن نتواجد في أيام الاجتماعات، ليتم تعبئة أذهاننا بفكرة «أن اتحاد شبيبة الثورة المنبثقة عن حزب البعث، والذي يقوده القائد والمناضل، الصنديد والطبيب، والمهيمن والكبير، المجند، وكل شيء، بشار حافظ الأسد، هو معطاء ويحب الخير والوطن»، المهم أن يلصقوا بألسنتنا كلمات التبجيل قبل اللفظ باسمه، ولكن مع انطلاقة الثورة، أصبح المهتمون فقط بالحديث السياسي كُثرًا، وتجمعات لا تُعد ولا تحصى أنشأت بين الداخل ودول الخارج.

ثقافة الاستبداد ربما لن تختفي كليًّا ودفعة واحدة، ولكنها لن تعود أيضًا بالشكل الذي كانت عليه قبل الثورات، وفكرة الديمقراطية التي نبحث عنها، ليست قالبًا جاهزًا، بل هي مسار طويل، وطريقٌ يبنى عبر تاريخ طويل، بجهد وخسارة كبيرتين، ومخطئ حتمًا من يظن أن الديمقراطية والحرية ستسود بين ليلة وضحاها، فالثورات في أوروبا مرّت بفاصل وحشي استمر سنوات طويلة، ومخطئ أيضًا من يظن أن أيام العبودية قد ولّت، بل هي موجودة ولكن بأشكال متعددة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك