بحثت كثيرًا وفتشت كأي إنسان تخونه الكلمات أحايين كثيرة، بحثت عن معنى أن يرحل الإنسان ثائرًا، أو أن يرحل متفائلًا وتاركًا وراءه عبارةً قد تصبح يومًا ما إحدى العبارات المغيرة للقناعات، أو المؤثرة في تحديد شخصية الإنسان المثالية، لن أفقد الأمل، لن أفقد الأمل. تكرارٌ مصرٌّ على أن يودع فيك رسالته، وعليك حملها وتوريثها. إنها سوريا العظيمة وليست سوريا الأسد، ضعها نبراسًا في يقينك وإيمانك أن سوريا عظيمة كما هي دائمًا، وليست إسطبلًا أو حظيرةً لتربية القطعان التي أرادتها عقيدة الحكم الأسدي وسياسته، إذ عملت عقيدة الحكم الأسدي دائمًا على خلق التبعية العمياء لفكر الحزب الواحد، والقائد الواحد، تحت شعارات فارغة.

رحلت الإنسانة الثائرة مي سكاف، وأقول الإنسانة، لأنه باعتقادي أنها كلمة وافية منصفة في زمن قلَّ فيه الإنسان، كان آخر عباراتها الثائرة هي العبارة التي ذكرتها في الأعلى. رحلت تاركةً خلفها ملايين المحبين وملايين الثائرين، أليس ذلك نصرًا؟ وإذا لم يكن نصرًا فما هو النصر إذن؟

ما جسَّدته مي سكاف خلال فترة نضالها ضد عصابة الأسد، هي إرادة الشعب الحقيقية في التغيير، والخروج من قمقم 50 عامًا، من كهف الظلمات السوداء إلى فضاء فسيح من الكرامة، والحرية، والمحبة. استطاعت عبر سنوات الثورة أن تكون صورة الثائر السوري الحقيقي وصوته، أن ترسم لوحته بصدق وتفان، أن تكون صورة الزهور البيضاء في ساحة العاصي في حماه، وصورة أغصان الزيتون في درعا، ومشهد حمل الجنود على الأكتاف الذين رفضوا قتل الإنسان أثناء إحدى المظاهرات في مدينة حمص.

هي حقيقة كل إنسانٍ سوريٍ ثار على واقع مرير من الاستبداد والظلم، هي إرادة كل من هو إنسان ويريد أن يعيش إنسانًا، فالإنسان بالأصل يولد حرًا كريمًا مالكًا جميع حقوقه الإنسانية، يولد ثم ما إن يكبر حتى يفقد ثم يفقد الكثير من تلك الحقوق في بلد تحكمه فصيلة من شر البشر، إنها فصيلة قائمة بذاتها، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

كرَّست مي سكاف حقيقة الثورة السورية البعيدة كل البعد عن الطائفية، ويحضرني هنا أحد أجمل العبارات التي كتب على جدران مقر لفرقة حزب البعث العربي الاشتراكي في قريتي في أيام الثورة الأولى، ثورتنا ليست ضد حاكم علوي، ثورتنا ضد حاكم ظالم. أليس من النصر أن تكون لا طائفيًا أمام نظام مستبد طائفي.

لم ينفصل الفنان عن الإنسان يومًا، فالأصل هو أن يكون الفنان إنسانًا قبل كل شيء، كانت مي سكاف تمثل هذه الحالة من الترابط والاندماج الحقيقي بين الإنسان بالدرجة الأولى، وبين الفنان الذي يسمو بإنسانيته ويضفي رونقه الإنساني على فنه ورسالته. في حين جعل فنانو الطاغية من الفنِّ فنًّا في القتل، وفنًّا في المطالبة بالقتل والبطش، فالحقيقة أنهم لم يكونوا فنانين يومًا، بل كانوا قاتلين دومًا، إنه فن القتل، فن الذين يقدِّسون الطغاة ويتخلون عن الإنسان، يتخلون عن شعوبهم البسيطة التي تحلم بقليل من حياة وهم في الحقيقة جزء من هؤلاء الطغاة.

أمثال مي سكاف كثر بيننا، الثورة السورية كانت حبلى بأمثالها وماتزال كذلك؛ ففي الثورات تولد الشموس، كفيلةٌ هي الثورات بولادة حياة جديدة، كفيلةٌ حتى بنصر ذاتها بذاتها وبأبنائها. لن أفقد الأمل مثلك يا مي، وهذا الإنسان الثائر هو مثلك أيضًا لن يفقد الأمل ولن ييأس، وإن كان الطريق طويلًا، فالحياة أقصر دائمًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد