كتب الطفل كلمته على جدار فصل، حائط يسمع ويسترق السمع، اعتقل الطفل، كسرت أصابعه، قلعت أظافره، والحلم ما زال محفوظًا على اللوح المحفوظ.

خرج الشاب صارخًا، معلنًا كلمته الحقة، يترجم ذلك الحلم المحفوظ ثورة، وخرج الشعب المكبوت طيلة عقود، من تحت مقصلة وحبل ملفوف، معلنًا صحوته من غفلته ليدخل الحلم.

نعم إنه الحلم الذي لطالما نشدته الشعوب، تلك الشعوب التي ترزح منذ عقود تحت أرجل كرسي الحاكم المعبود.

من جدران حوران بدأ الحلم ينمو، وينتشر ربيعه مسرعًا،ليعم أرض وشعب سوريا. وبعد سبع سنوات من قتل وتشريد تحول الحلم كابوسًا، وانقلب الربيع قحطا وصحراء قاحلة، أنا لا ألوم تلك الشعوب، فهي قد ثارت وقد أعلنت بركانها في عالم يسوده لغة واحدة فقط، رغم تعدد الشعوب والجغرافيا واختلافات الثقافة والعادات والقيم، إنها لغة الأنا، والتي يدور كل فعل أو قول أو موقف حولها.

لماذا تحولت الثورة إلى قحط، هنا سؤال لابد من طرحه، والغوص في جوابه، واستعراض نتائجه.

بعد بداية الثورة السورية بأشهر، وبعد ظهور شخصيات سورية، سواء على الساحة السياسية أو الإعلامية، في الداخل والخارج،استطاع المجتمع الدولي والمؤلف من دول، اللعب على ورقة تحجيم الثورة وأهدافها وقيمها، عن طريق جعل تلك الشخصيات ممثلة للثورة، أو تتحدث بأهدافها وقيمها.

بعد إعلان تأسيس المجلس الوطني السوري والذي كان مؤلفًا من شخصيات سورية، وأنا هنا لا أشكك بمدى ثوريتها أو مصداقيتها، كانت تلك غالبية تلك الشخصيات هي من السوريين المغتربين والموزعين على دول العالم، والتي كانت قد عانت هي بدورها من سطوة واستبداد النظام السوري،والتي كانت بالفعل غائبة تمامًا عن واقع الشعب السوري وواقع ثورته، لم تكن مؤهلة تمامًا لتقود ثورة؛ فهي بالأصل غائبة منذ عقود عن واقع الحياة السورية، ولا ننكر أنه كان من بين تلك الشخصيات ناشطون ومثقفون كانوا من أوائل الخارجين ضد نظام بشار الأسد، ثم تمخض من تلك المؤسسة الائتلاف السوري، والذي كان أول إسفين يدق في جسد الثورة وجسد الشعب، فقد تم تأسيسه على المحاصصة سواء قوميًا، أو طائفيًا، وهنا كان أول انحراف وخروج عن قيم ومبادئ الثورة السورية، ثم شهد انقسامات وصراعات، طالما أنه أسس على محاصصة، ثم بدأت معالم الشرخ الكبير، بخروج الأكراد كمكون مستقل، كان قد سبقه تأسيس مجلس وطني كردي، تم الاعتراف بالائتلاف الوطني، وتم دعمه بمقعد في الجامعة العربية، لكن ما الذي حصل لتعم سنوات عجاف لم نشهد فيها إلا انقسامات وغياب حقيقي عن واقع الثورة السورية وواقع شعبها؟ ثم بدأت مرحلة تأسيس أحزاب سياسية سورية معارضة، غالبية شخصياتها كانت مضطهدة وملاحقة وتعرضت لإعتقالات خلال فترة نضالها، ثم تأسيس منظمات سورية مدنية وإغاثية، مجالس محلية، مكاتب إعلامية، لكن ما السبب الحقيقي وراء القحط الثوري، الغياب التام عن واقع البسطاء السوريين.

لم تتمخض مؤسسة ثورية حقيقية، تتبنى قيم ومبادئ الثورة، ولم تجعل الثورة أساسًا لها، فكل تلك المؤسسات كانت ممولة خارجيًا، وكانت تعمل وبشكل واضح على فتات المصالح الشخصية، تقدم حلول مؤقتة وقصيرة الأجل، حتى تراكمت سنوات القحط، وبات الشعب الآن يعيش الشتات بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لا يمكن نكران أن المجتمع الدولي كان شريكا في قتل الثورة السورية، ولا يمكن نكران المصالح والتدخلات السياسية والاقتصادية، ولا يمكن غض العقل عن التغيرات السياسية الإقليمية والعالمية، ولا ننكر تواطؤ المنظمات العالمية مع النظام السوري، لكن هل يا ترى كان سيكون الواقع السوري كما هو عليه الآن لو كانت هناك مؤسسات ثورية حقيقية، أم هل كانت الدول هي التي صنعت تلك المؤسسات المزيفة كي يكون طريقها سالكًا لتحقيق مصالحها.

هل يفتقر الشعب السوري إلى وجود النخبة القادرة فكرًا ووطنية لتؤسس مؤسسات حقيقية تحرج العالم، مؤسسات قانونية، مؤسسات إعلامية، مؤسسات سياسية حقيقية، أحزاب سياسية استطاعت أن تصنع أساسًا مشتركًا لتنطلق منه جميعها لبناء سوريا مؤسسة على قيم ومبادئ الثورة، ألم نشهد صراع إيديولوجي بينها، أية أحزاب هذه تلك التي تدعي ثوريتها وتسوق نفسها كحاملة للواء الثورة وهي متصارعة متفتتة، أين تلك الخبرات في جعل النضال نضال ثوري حقيقي وليس صراعًا إيديولوجيًا، لقد فشلت المعارضة السورية وفشلت تلك المؤسسات وفشلت تلك الأحزاب في تمثيل 10% من مبادئ الثورة.

أعيد مشهد صراع قديم بين إيديولوجية إسلامية وإيديولوجيا علمانية، الأولى أسقطت مبادئها على الثورة والأخرى كذلك، في حين كان النظام السوري ينشط سياسيًا، ويسوق نظرية حربه على الإرهاب، وقد نجح في ذلك، في حين كانت تلك النخب تبحث عن فتات مناصب خلبية.

وعلي أن أطرح سؤالًا، هل علينا التواكل على مجتمع دولي هو في الأساس شريك في تقسيم الكعكة، وهل علينا التواكل على تلك النخب التي أضاعت تضحيات ملايين السوريين، وهل يمكننا بعد هذه السنوات، وبعد أن آلت الثورة إلى نفق مظلم، والوطن إلى كابوس قتل، أن نفعل شيئًا؟

لاشك أن الواقع السوري معقد، لكن أليس بمقدورنا تشكيل مؤسسات من نخب وطنية حقيقية، مبنية على أساس وهيكل حقيقي، عصري، إذا كان النظام قد يستطيع استرداد جميع مناطق المعارضة السورية، فهل نبقى مكتوفي الأيدي ننوح ونستجدي مجتمع دولي لا يعرف غير لغة المؤسسات.

نحن الآن بأمس الحاجة إلى مؤسسة قانونية، تعمل بشكل مؤسساتي، وبخبرات خارجية وداخلية وطنية، من شأنها الصراع بأدلة موثقة أمام منظمات العالم، يدعمها مؤسسة سياسية تعمل على زج الأوراق القانونية والإنسانية في وجه العالم، مؤسسات إنسانية، مؤسسات إعلامية، كلها مجتمعة على مبادئ الثورة والوطن الواحد،كلها مرتبطة ضمن مؤسسة واحدة جامعة، تجعل من من عملها مجتمعة كأوراق للنضال ضد نظام متجزر في تعاملاته وخدماته للعالم، إن المرحلة المقبلة هي مرحلة صراع ليس مسلحًا، بل سياسيًا، إن لم تك تلك المؤسسات موجودة وتثبت حقيقة نضالها وحقوقها وتثبت جدارتها كمؤسسات يمكن الاعتماد عليها دوليًا، فإن المؤشرات والواقع يقول إن المجتمع الدولي سيبقي على نظام الأسد، عندها لا يمكن لوم المجتمع الدولي، بل اللوم كله على نخب لم تستطع خلال سنوات الثورة  الخروج من قمقمها الإيديولوجي، ولم تك أهلا لمؤسسات حقيقية تستطيع إقناع العالم بأنها قادرة على أن تكون بديلًا على نظام لم يعرف خلال حكمه معنى كلمة مؤسسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد