حينما خلق الله السماوات والأرض، في ستة أيام، ثم استوى على العرش. وضع قانون الحياة لكل المخلوقات، كيف تحصل على رزقها، وكيف تتعايش بعضها مع بعض، وكيف تكافح وتصارع، وتتغلب على غيرها، كي تبقى على قيد الحياة! وحينما خلق الله آدم من تراب بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم أخذ يتناسل ويتكاثر من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة.

وضع له أيضًا قانونًا للغلبة، والانتصار على الأعداء، وسن له نظامًا، ومنهجًا للحياة الكريمة، السعيدة، ثابتًا لا يتبدل، ولا يتغير مع مرور الأزمان، ولا يجامل أحدًا على أحد، ولا يداهن أحدًا من عبيده، حتى ولو كانوا أنبياء ورسلًا! «سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا» الفتح 23. «سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا» الإسراء 77.

وطلب الله تعالى، من بني آدم جميعًا دون استثناء، الالتزام الكامل بهذا القانون، وتطبيقه تطبيقًا عمليًّا وفعليًّا على أرض الواقع، كي يفوزوا برضاء الله تعالى أولًا، ثم كي تكون لهم السيادة، والتمكين في الأرض، وكي يتغلبوا وينتصروا على أعدائهم.

«أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ» نوح.

والثورة السورية، بدأت قبل ثماني سنوات ونيف، بإلهام من الله تعالى، وبتيسير، وتسهيل، ودعم منه، في بداية انطلاقتها، إلا أن بعض النفوس المريضة، التي كانت تقودها، قد انحرفت عن جادة الصواب، ودخل صفوفها أناس غير صادقين، وأرادوا استثمارها لمصالحهم الدنيوية الخسيسة!

ومن خلال دراستنا لمنهج الله تعالى، وناموسه الكوني الثابت، وجدنا أن هناك أربعة أركان، أو ركائز، أو أعمدة أساسية وضرورية تشبه أعمدة البيت، التي يستند عليها السقف، يجب تأسيسها، وإنشاؤها كي يكتمل بناء البيت، بيت الدين، أو بيت الثورة، وأطلقنا عليها اسم «متلازمة الغلبة والنصر على الأعداء».

وبدون تأمين، وتحقيق هذه المتلازمة، ذات الأركان الأربعة، كاملة، غير منقوصة، ولا ركن واحد، لن، ولن يتحقق الغلبة والنصر، في الثورة السورية وفي سواها، ولو بقيت ألف سنة!

الركن الأول: الإيمان بالله وحده

اعتمادًا على قوله تعالى: «ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ» يونس 103. «وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا» النساء 141. هذا وعد قاطع، وثابت، وراسخ من الله العزيز الحكيم، بأن ينجي المؤمنين، ويجعل لهم الغلبة على الأعداء.

والإيمان، هو العقيدة التي تملأ جوانح القلب، وتنشر فيه الضياء، والنور الرباني، الذي ينير بصيرة الإنسان المؤمن، ويدفعه إلى الحركة، والنشاط، والعمل الدؤوب، لطاعة الله، وتطبيق منهجه كاملًا، في الحياة، في نفسه، وأسرته، ومجتمعه، وتحقبق المنهج الرباني في إدارة الحكم، والجيش، والاقتصاد وفي جميع دوائر الدولة كاملة، وليس في دائرة الأحوال الشخصية، الزواج والطلاق!

وليس كما يفهم كثير من الناس، أنه مجرد نية باردة، ساكنة، جامدة في القلب، بدون حياة، ولا عمل، ولا سلوك، فهذا ليس إيمانًا، وإنما هو مجرد أمنية، وتمن، كما وصفها الرسول – صلى الله عليه وسلم- بقوله: «لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ، وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ».

الركن الثاني: العبودية والدينونة لله وحده

اعتمادًا على قوله تعالى، حينما تحدث عن الوعد الأول، للقضاء على فساد بني إسرائيل. «فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ» الإسراء 5.

فهذه إشارة واضحة، وصريحة، على أن صفة الذين سيقضون على الإفساد الأول لبني إسرائيل، هي أنهم عباد لله، ينتسبون بالعبودية، والخضوع، والاستسلام الكلي لله تعالى، وقول الله تعالى: «وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ (١٧١)إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ (١٧٢)» الصافات.

فهذا تأكيد، على أن من يحمل، شرف نسبة العبودية لله تعالى، هم المرسلون، وكل من يخلص العبودية له، ولذلك، العبودية لله تعالى، تعني الخضوع، والدينونة، والاستسلام الكلي، والكامل لنظام الله، بدون تردد، ولا تلكؤ، ولا جدال، «مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ» غافر 4.

ولا تجزئة الدين إلى أجزاء، وتطبيق الجزء الذي تهواه النفس، وترك الأجزاء الأخرى، كما كان يفعل بنو إسرائيل! فجاءهم التعنيف، والتوبيخ من عند الله تعالى صريحًا، واضحًا، «أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ» البقرة 85.

ولا تسميته بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الإسلام السياسي، والإسلام الجهادي، والإسلام الاقتصادي! هذه التقسيمات، والتسميات مرفوضة رفضًا باتًّا، وقاطعًا؛ لأنها تميع الدين، وتشرذمه، وتشوهه، وتقزمه، وتحصر وظيفته في أماكن محددة، ضيقة، وتلغي شموليته للحياة كلها، فيصبح العمل السياسي، أو الجهادي، معرة، وسُبة، ونقيصة، وجريمة، وإرهابًا يستحق فاعله السجن والإعدام، لدى المحاكم الطاغوتية.

الركن الثالث: الولاء لله

اعتمادًا على قول الله تعالى: «وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ» المائدة 56. فالولاء مهم جدًّا، جدًّا، فهو الانتساب إلى الله، والافتخار والاعتزاز به، دون العالمين، الولاء هو التطبيق المنهجي، والعملي للإسلام، والإيمان، وهو العلامة الأولى الفارقة، والمميزة والمفصلية، لإثبات صحة إسلام، وإيمان المرء، وهو المفاصلة والمفاضلة، بين الله، وبين ما عداه من أصنام وأوثان، فالذي يؤمن بالله، ويعتمد عليه كليًّا، ويثق به، ويحسن الظن به، لا يأبه للعبيد، ولا يبالي بهم، ولا يستجديهم، ولا يناشدهم أن يساعدوه، وإلا حينئذ يجعل قيمة الله – عز وجل- أدنى من قيمة العبيد!

وقد كتبنا مقالة مفصلة عن الولاء، نشرناها منذ أسبوع تقريبًا، يمكن البحث عنها في محرك غوغل، لمن أراد الاستزادة.

الركن الرابع: الجندية لله

اعتمادًا على قول الله تعالى: «وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ(١٧٣)» الصافات.

فالجندية لله تعالى تعني، الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمته وحده، وليس لإعلاء كلمة الوطن، أو الشعب، فهذه كلها أصنام، وأوثان، لا تضر ولا تنفع، وهي تعد المرحلة الأخيرة، بعد الانتهاء من  البناء التربوي الإيماني.

فالمراحل الثلاث الأولى، كانت عبارة عن: تهيئة، وتدريب، وإعداد للانتقال إلى الجندية، ولذلك يمكن عدها، مراحل ساكنة، أو هادئة تتم في أجواء مغلقة، أو مخفية، مثل الدراسة التي يتلقاها طلاب الكلية العسكرية، في الأنظمة العلمانية، مع اختلاف المضمون والمحتوى، وعادة لا ينتقل الجندي إلى ميدان المعركة، إلا بعد النجاح في الامتحان، وقد ينجح بعض الجنود، في الامتحان النظري، ولكن في العمليات العسكرية، قد يظهر فشلهم، ويبوؤا بالهزيمة.

وهذا ما حصل بالضبط، مع جنود النبي – صلى الله عليه وسلم- في غزوة أحد، فلم يجامله الله تعالى، مع أنه أشرف الأنبياء، وسيد العالمين، فلما حصل خلل واضطراب، في صفوف جنود الصحابة في غزوة أحد، وخالفوا أوامر القيادة النبوية، وتسابقوا إلى اكتناز الغنائم الدنيوية الرخيصة، حصل تصدع في صفوف الجيش، وانفرط عقده، ودارت دائرة الحرب عليه، بعد أن كان هو المنتصر في بداية المعركة!

وأصابه الانكسار والخذلان، وعرض قائد الجيش – الرسول صلى الله عليه وسلم– إلى الأذى الجسمي، والنفسي، وحصلت له جروح في جسده الشريف، وكسر في إحدى أسنانه، كما وسرت شائعة موته!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد