مع انطلاق عملية نبع السلام، التي بدأها الجيش التركي بالتعاون مع فصائل سورية معارضة، ضد المسلحين الأكراد في شمال سوريا، ودخول النظام السوري على الخط والاستفادة من العملية بشكل كبير، بدأت تظهر أصوات التخوين والسب والشتم واللعن لتركيا والفصائل المدعومة منها من جديد، مذكرة بما حصل في العملية التركية السابقة درع الفرات، إذ يدعي هؤلاء أن تركيا تخلت عن حلب مقابل سماح روسيا لتركيا بدخول عفرين، وأن هدف العملية هو هدف قومي تركي بحت، على حساب الشعب السوري وثورته.

فهل فعلًا أدارت تركيا ظهرها للسوريين، وبدأت تفكر في مصالحها القومية فقط؟ وتوقفت عن دعم الثورة السورية بعد سنوات من الدعم السياسي والإنساني، بل حتى العسكري؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، وفهم الدور التركي الحالي بشكل أفضل، علينا تتبع العلاقات والأحداث السورية التركية وفق سياقها التاريخي وتسلسلها الزمني بتجرد وواقعية، وبعيدًا كل البعد عن أي عاطفة فئوية.

سعت تركيا منذ استلام حزب العدالة مقاليد الحكم في تركيا إلى الانفتاح على محيطها العربي خاصة، والإسلامي عامة، بعد ما كانت منكفئة على ذاتها لسنين طويلة. بالرغم من أن مصلحتها – من الناحية المادية- تكمن في اللحاق بالركب الأوروبي والانظمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن بما أن الحزب الحاكم ذو توجه إسلامي كان ينظر إلى تركيا نظرة أشمل، فيرى أنها وريثة الدولة العثمانية التي انضوى تحت رايتها معظم العالم العربي والإسلامي لمئات السنين، كما صرح بذلك الرئيس اردوغان في أكثر من مناسبة، فكان لزامًا عليها أن تلعب دورًا يتناسب مع امتدادها الجغرافي والإنساني والإسلامي في المنطقة، فكانت سوريا المحطة الأولى. حيث أقامت تركيا علاقات متميزة مع نظام الأسد الابن، رغم علمها المسبق بطبيعة النظام الطائفي الوراثي في سوريا، ومسامحة غير متناسية دعم نظام الأسد الأب لحزب العمال الكردستاني العدو اللدود لتركيا، والمتهم بقتل عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك، فحاولت نقل التجربة التركية الناجحة في تغيير النظام العسكري الديكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تعددي بدون أي إراقة للدماء في الجارة السورية، لكن النظام السوري الدموي كان عصيًّا على كل إصلاح، فلم تفلح محاولات القيادة التركية في إقناعه للإنصات لبعض الأصوات الوطنية المعارضة، والسماح بعودة بعض المعارضين المنفيين، وتخفيف حدة القبضة الأمنية، حتى جاءت الثورة السورية، فعملت تركيا على احتواء الموقف؛ حرصًا على الاستقرار في سوريا، ووحدة الأراضي السورية؛ إذ أرسلت أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية يومئذ، وعقد بدوره لقاء مكاشفة ومصارحة طال لأكثر من سبع ساعات مع رأس النظام؛ لتفادي التصادم وإراقة الدماء في سوريا.

لكن النطام – كما كان متوقعًا- لم يستمع للنصائح التركية بقبول المطالب الشعبية البسيطة في بداية الثورة، فاستعمل مع الاحتجاجات لغة الحديد والنار، مما أدى إلى تحول الثورة من ثورة سلمية إلى ثورة مسلحة وصدام مسلح.

عندها ارتأت تركيا الوقوف إلى جانب ثورة الشعب السوري، وعملًا بمبادئها الإسلامية والإنسانية فتحت الحدود في وجه السوريين الفارين من جحيم الحرب – في وقت تخلى عنهم إخوانهم العرب- إذ وصل عدد اللاجئين السوريين المقيمين فيها إلى أكثر من ٣ ملايين لاجئ، ولم تكتف بالدعم الإنساني فقط ، فقد حاولت تركيا لملمة شعث المعارضة السورية بكل أطيافها، وقدمت كل أشكال الدعم اللوجيستي، فدعمت المجلس الوطني والائتلاف والهيئة العليا للمفاوضات، ودعمت الجيش الحر والكتائب، والجمعيات والمنظمات، والحكومة السورية المؤقتة، وكل مكونات الثورة والمعارضة السورية، وقدمت الملاذ الآمن والمناخ الحر للمعارضة، حتى بات الأركداش السوري (أركداش كلمة تركية تعني الصديق) في تركيا يشعر بأنه في بلده الثاني.

لكن الدور التركي بدأ يأخذ شيئًا فشيئًا منحى أكثر براغماتية مع المسألة السورية، تُراعى فيه المصالح التركية بشكل أكبر؛ لمجموعة من الأسباب المهمة، ومن أهمها:

1- وضوح معالم الدولة الكردية في الشمال السوري على حدود تركيا، ما عدته تركيا تهديدًا وجوديًّا للأمن القومي التركي.

2- فشل قوى المعارضة في إيجاد رؤية موحدة وكيان معارض يجمع كل تلك القوى، فعلى الرغم من حجم التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب السوري، فقد فشلت التشكيلات السياسية والعسكرية في ترجمة تلك التضحيات إلى جسم سياسي معارض موحد ومستقل، تستطيع تركيا الاعتماد عليه وتقديمه ممثلً شرعيًّا للشعب السوري، وبديلًا مقبولًا عن نظام الأسد.

3- دخول اللاعب الروسي مباشرة في الصراع السوري، وتقديمه كل ما يستطيع من دعم للنظام السوري، مع غياب أي دور عربي ولو إعلامي في مواجهة الوجود الروسي، مما جعل تركيا في مواجة مباشرة مع الدب الروسي، أدت في مرحلة من المراحل لإسقاط مقاتلة روسية من قبل القوات الجوية التركية، كادت أن تتطور الأحداث بعدها إلى حرب مباشرة بين الدولتين.

4- الدور الأمريكي ومن خلفه الإسرائيلي الداعم والمؤيد للوحدات الكردية الإنفصالية المعادية لتركيا، مما مكنها من السيطرة على ما يقارب من ثلث مساحة سوريا، في مقابل التغاضي عن المذابح التي يقوم بها النظام وحلفاؤه منذ ثماني سنوات.

5- الحرب الاقتصادية غير المعلنة ضد تركيا، إذ هبطت أسعار صرف الليرة التركية إلى مستويات قياسية، فيما أكد إيدي كوهين – وهو صحفي إسرائيلي- أن أسعار صرف الليرة التركية هبطت بفعل أثرياء اليهود الداعمين لإسرائيل والمتحكمين – حسب زعمه- بأسعار صرف العملات حول العالم، انتقامًا من أنقرة، بعد طردها السفير الإسرائيلي وإهانته عبر تفتيشه قبل مغادرته تركيا.

6- محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة التي قام بها عدد من ضباط الجيش التركي، مدعومين من الولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية الفاسدة، التي لم تتحرك يومًا لنصرة الشعب السوري أو الفلسطيني، لكنها كانت وما تزال تقف ضد كل تجربة ناجحة للحكم، وخاصة التجربة التركية. ولعل الانقلاب كان أبرز الأسباب التي دفعت الدور التركي إلى شكله الحالي، إذ غير الانقلاب كثيرًا من مفاهيم السياسة التركية.

7- الموقف الأوروبي المتذبذب مع تركيا، ومماطلة الاتحاد الأوروبي في مسألة انضمام تركيا للاتحاد، إضافة لعدم وثوق تركيا بحلف النيتو – رغم أنها ثاني أكبر دولة بالحلف- إذ لم ينشر الحلف سوى عدد قليل جدًّا من بطاريات «الباتريوت» في تركيا، حتى عندما تعرضت الأراضي التركية لتهديدات بالغة عقب إسقاط المقاتلة الروسية.

كل هذه الأسباب وأكثر جعلت القيادة التركية تعيد ترتيب أوراقها وأولوياتها على المستوى الداخلي والخارجي، ودفعت أنقرة – كارهة- إلى مزيد من التقارب مع موسكو في كثير من الملفات، وعلى رأسها الملف السوري، إذ وجدت تركيا نفسها وحيدة في مواجهة القوى الدولية الفاعلة، ومتلقية الطعنات من كل حدب وصوب، ومستعدية العالم أجمع بسبب مواقفها المناصرة لحقوق المظلومين في سوريا وفلسطين، وما تزال تركيا أكبر داعم للثورة السورية – ولو بوتيرة أقل- أما القول بأن العملية العسكرية التركية ساهمت في مساعدة النظام في استرجاع المناطق من أيدي الوحدات الكردية فغير واقعي؛ ببساطة لأن الوحدات الكردية ما هي إلا جزء من النظام السوري، والاتفاق الأخير بينهما شاهد على ذلك، أما بعض الأطراف السورية القريبة من تركيا التي أخذت تنتقد الدور التركي بنوع من العتب، فهؤلاء وقعوا في فخ التعويل الطفولي، والتضخيم الزائد، والفهم الخاطئ للدور التركي، متناسين المثل السوري القائل «قلّع شوكك بإيدك»، إذ لا تستطيع تركيا بمفردها التحرك ضد النظام السوري، وضد الوحدات الكردية في الوقت نفسه، خاصة مع تحالف النظام القوي مع روسيا وإيران.

كان هذا تلخيصًا للدور التركي في دعم الثورة السورية، وأهم المنعطفات التي مر بها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد