كنت أود الحديث عن كل الثورات العربية وأسباب سقوطها، ولكن تكفي التجربة السورية للحديث عنها، حيث إن الثورة السورية تحمل في طيات فشلها كل ما أسقط الثورات الأخرى وأفسدها، الثورة السورية إحدى الثورات العربية العظيمة ضد الاستبداد والديكتاتورية، بدأت ثورة شعبية تحمل كافة الأطياف السورية، ولكن مرت بما شتتها وفرقها وأفسد تلك الثورة لتحويلها إلى صراع إقليمي طائفي ودولي، وهنا سأحاول تجميع كل تلك الأسباب.

أولًا: الاستبداد

حيث يعتبر الاستبداد أول قاتل للشعب السوري وثورته؛ حفاظًا على السلطة، الديكتاتور بشار الأسد الذي أمطر شعبه بكل أنواع الذخائر والصواريخ والقنابل، بكافة الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، كافة أنواع القتل والتعذيب والحصار، كما يبدو لنا جليًّا أن الرئيس السوري لديه كل الاستعداد لإبادة شعبه، على ألا يفرط في السلطة.

ثانيًا: الطائفية

بدأت الثورة كما أسلفت ثورة شعبية مثل شبيهاتها العربية، رفضًا للاستبداد وطلبًا للحرية وغيرها من المطالب الشعبية، وعندما استخدم النظام الأسدي الطائرات والصواريخ ضد الشعب، وتحولت الثورة من السلمية للثورة المسلحة، وظهر الجيش السوري الحر فكان يحمل اسم الثورة ونفس مطالبها، مطالبًا وحاميًا للثورة والشعب، وكان الشعب ظهيرًا للجيش الحر، لكن تداخل المصالح الأسدية مع دول إقليمية ودولية دفعت دولة مثل إيران للتدخل في الشأن السوري، والحفاظ على حليفها بشار الأسد ضد الشعب المطالب بالحرية. إيران دولة دينية مذهبية بامتياز، تتصل بحزب الله من الناحية المذهبية، مما أدى إلى التدخل في الشأن السوري باسم الدين والمذهب الشيعي، مما أدى إلى اعتبار الحرب ضد الثورة السورية حربًا دينية شيعية مقدسة، كذلك فعلت السعودية بدعم الثورة السورية لمواجهة التوسع الإيراني في المنطقة، وحملت نفس التوجه الطائفي في دعمها الثورة السورية باعتبارها حرب دينية سنية ضد الاستبداد الشيعي، في عهد الرئيس المصري السابق محمد مرسي الذي دعم كثيرًا الثورة السورية، ورفض التدخل الدولي في سوريا، ولكنه فعل ما هو أبشع من التدخل الدولي وهو إرساء القيمة الطائفية كمبدأ للثورة السورية باعتبارها ثورة ضد المستبد الشيعي وحلفائه، بمؤتمره المناصر للثورة السورية، ودعوته لفتح باب الجهاد المقدس ضد الشيعة، فأصبحت سوريا وجهة للجماعات الدينية السنية المتطرفة منها، أو حتى شبه المعتدلة، فتحولت الثورة السورية إلى حرب طائفية من الدرجة الأولى، وليست ثورة شعبية.

ثالثًا: تشابك المصالح الدولية

سوريا فيها من تشابك المصالح الدولية والإقليمية وضدها ما يكفي لإشعال الحرب بلا خمود، إيران لها من المصالح مع النظام السوري ما يدفعها للحرب بكل طاقتها، حيث إن النظام السوري من أهم حلفاء إيران بالمنطقة، وفي النقيض السعودية. ترفض السعودية زيادة النفوذ الإيراني بالمنطقة، كذلك المصالح الروسية مع النظام السوري وإيران، كذلك النقيض في المصالح الأمريكية في عدم زيادة النفوذ الروسي في الشرق، كذلك حماية الجانب الإسرائيلي من أولويات الولايات المتحدة، كذلك مصالح الأتراك في قتال الأكراد حلفاء النظام السوري، والجانب الأوروبي في وقف تدفق اللاجئين السوريين. أما الجماعات الدينية المسلحة سواء المتطرفة أو المعتدلة، أما المتطرفة فلا أحد يعرف مصلحتهم سوى التوسع على الأراضي السورية والعراقية، كذلك المعتدلة التي كل اهتمامها أن تجد مكانًا معترفًا به سياسيًّا فيما بعد الأزمة، ولا أحد يعرف حلًّا لهذه الإشكاليات حتى الآن، ولا حتى الدول المتصارعة.

وفي النهاية يجد الشعب السوري نفسه إما تحت القصف وإما في المخيمات، وإما بين الأمواج، ولم يعد له مطلب سوى العودة إلى بلاده الآمنة، ربما لا أرفع النقد عن الشعب السوري لأن عوامل قتل ثورته كلها خارج إرادته، ولكن بعضه متفرق يتحمل المسؤولية في انجراره خلف هذه الطائفيات والمصالح، لا نجاح للثورة السورية إلا بأيدي الشعب السوري، وليس من حل لعودته من الشتات إلا بحل الأزمة سياسيًّا بين كل هذه الأزمات المتشابكة المتشعبة، لا أمل في نجاح ثورة سورية في المدى القريب، فهل يتغلب الشعب على أزمات الثورة الحالية في أزمته القادمة؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد