ثوار سورية يكسرون الحملة الروسية على الشمال السوري المحرر

لطالما ارتبط اسم الثورة السورية وأي تحرك على جبهات القتال أو حتى على مستوى المظاهرات السلمية مع عبارة يحلو لكثير من النشطاء والمؤيدين لثورة الشعب السوري إطلاق الكلمة المشهورة «سنعيدها سيرتها الأولى»، استبشارًا بقصة «عصا موسى» والمعجزة المعروفة، وفي ذلك لهفة من الأحرار لأيام الثورة الأولى، حين كان صوتها أعلى وهمة أهلها أقوى.

هل ستعود الثورة سيرتها الأولى أم ماذا؟

إنّني في إطار نقاش هذا الموضوع أحبّ أن أتذكّر قصة عصا موسى، وأسأل هل الأولى أن تعود الأفعى إلى سابق عهدها عصا يهشّ بها الراعي على غنمه ويتكئ عليها، أم الواجب أن في حضرة الفراعنة والسحرة وما حاكوه من مؤامرات، أن تنهض لتلقف ما يأفكون؟

وقد أثبتت أحداث صد حملة الاحتلال الروسي ومن معه من أذناب وشبيحة من قبل الفصائل العسكرية الثائرة بمختلف أسمائها وتوجهاتها أنّه لا ينبغي لعصا موسى الآن أن تعود سيرتها الأولى.

فقد حشد فرعون سحرته وألقى السحرة ما بأيديهم، وخُيّل للناس أنها أفاعٍ وثعابين، حتى الثوار أنفسهم وبمختلف توجهاتهم كادوا أن يُفتنوا بهذا الإفك، لولا أن ألقى الجيش الحر عصاه في ريف حماة الشمالي وعلى سفوح جبل الأكراد وتلال كبينة في ريف اللاذقية، لتصبح أفعى تلقف ما يأفكون.

ماذا لقفت عصا الثوار في المعارك الأخيرة؟

استطاعت المعارك الأخيرة في ريفي حماة واللاذقية أن تضع حدًا للكثير من المفاهيم المغلوطة والخاطئة التي كانت تُثار حول أي معركة يُطلقها نظام الأسد وحلفائه للسيطرة على المناطق بعد حصارها والتضييق عليها.

في كل يوم زينة ينشط سحرة فرعون الشام في إلقاء عصيهم وخيوطهم يخوفون بها الناس، حتى جاء يوم الزينة الأكبر الذي ألقى فيها موسى عصاه

«فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ»                                                                 يونس:81

ومن أنماط السحر التي نشط بها سحرة فرعون عصرنا:

باعوها

أول هزيمة مُني بها الأسد وجنوده وآلته الإعلامية ومن خلفهم من المرجفين، حتى من المحسوبين على الثورة السورية هي هزيمة سيناريو: باعوها.

لطالما حرص نظام الأسد على تشويه أي مقاومة للثوار، وتغييب جهودهم وجهادهم، فكلنا عايش الغَبَن الذي طال المحاصرين في حلب الشرقية وغوطة دمشق والقلمون وغيرها، والتهم التي طالتهم على أنهم باعوا قضيتهم وسلموا مناطقهم.

هذه الرواية التي ينشط عملاء الأسد والمرجفون وقليلو الضمير بترويجها كلما بدأ الأسد بالحشد لأجل اقتحام منطقة ما، تكسرت على أعتاب الكبينة في ريف اللاذقية وتمرغت أنوف المنظرين لسيناريو البيع المزعوم على جبهات كفرنبودة.

الخلاف والشقاق

الوتر الأكثر إطرابًا لمسامع المرجفين هو وتر الخلاف، وقد نجح بشكل كبير في الغوطة الشرقية مع الأسف، ففي الفترة التي كان فيها نظام الأسد ومن خلفه طيران الروس يدكون الأحياء بالأسلحة المحرمة دوليًا، كان البعض يؤجج الخلافات بين فيلق الرحمن وجيش الإسلام ويوسّع الهوة بينهما ووصل الأمر إلى سجالات وشجارات على الهواء مباشرة بين الناطقين باسم الفصيلين.

ناهيك عما خلفه الشقاق في استفراد الروس بكل قسم على حدة ومفاوضته بشروط قاسية.

أما في المعارك الأخيرة، فقد تعالى الثوار على الخلافات، ونزعوا فتيل الشقاق، وعاد الكل في جبهة واحدة، وبندقيتهم موجهة نحو هدف واحد، ومع أنّ البعض حاول أن يزرع بذور فتنة لكنه فشل وخاب، فأبطل السحر الثاني.

الحرب النفسية

من المؤسف في تجاربنا الماضية أنّ الجميع كان يتابع الأخبار من قنوات نظام الأسد ومواليه، وكم من مرة ضجّت به صفحات التواصل الاجتماعي حتى المحسوبة على الثورة بمقاطع فيديو لتقدم قوات الاحتلال الأسدي، أو بصور النازحين نحو مناطق النظام المحتلةـ وصور الإذلال التي يقوم بها شبيحة الأسد تجاه الأهالي.

على هذا الجانب فشل الأسد كذلك، ولعل مقطع فيديو «ختيار القلعة» جعل من هيبة الأسد وهيبة جنوده مدعاة للسخرية، حين رفض شيخ تسعيني أن يُسقى الماء من أيدي القتلة.

وغير ذلك من النماذج التي كانت تظهر كمقاطع حسين مرتضى وغيرها، كلها غابت في هذه الحملة الأخيرة، ولربما حاول الكثيرون صناعة حرب نفسية لكنهم فشلوا وخابوا، بل الحرب النفسية صارت تأكل قلوب الشبيحة الذين يتساقطون في كل معركة وكأنهما ذباب اقترب من اللهب.

«قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) ۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ»
الأعراف: 115 ـ 120

كسر الحملة الروسية كان عنوانًا عريضًا تجرعت به روسيا السمّ، بل وباتت ترى في الأفق ما يشبه المستنقع الأفغاني الذي مزّق الاتحاد السوفييتي فيما مضى، ولعلّ قادم الأيام ستجعل روسيا تعيد الكثير من حساباتها، هذا إن بقي لها حسابات تعيدها، فإنّ عصا موسى ما إن ألقاها الثوار فلن تعود سيرتها الأولى قبل أن تلقف ما يأفكون، ويغلب السحرة وفرعونهم وينقلبوا صاغرين أذلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد