(1)

برسم السؤال: كيف نظرت القيادة في إيران إلى تقدم المعارضة المسلحة وسيطرتها على إدلب، وجسر الشغور، اللذين يعتبران من المناطق الاستراتيجية والحساسة في المعادلات العسكرية وتشكيل موازين القوى بين المسلحين التابعين للمعارضة السورية والنظام السوري.

 

فالسيطرة على هذه المناطق تعني قطع الطريق بين المناطق الساحلية السورية ذات الأغلبية العلوية مع قوات الجيش النظامية، وبذلك إلى الساحل السوري حيث اقتربت من مشارف مسقط رأس الرئيس السوري بشار الأسد (اللاذقية)، والخشية من فقدان سيطرة قوات النظام على ميناء اللاذقية الذي يعطي الساحل السوري أهمية استراتيجية كبيرة في المعادلات السياسية والإستراتيجية العسكرية؟

 

فبدون شك، فقد اعتبرت إيران جملة التطورات الميدانية هذه بمثابة انعكاس لتحول استراتيجي دراماتيكي في الميدان، بعد أن فقدت قوات النظام السوري قدراتها القتالية لمرور أربعة أعوام هي عمر الثورة السورية، وخوضه معارك ضارية على (468) جبهة قتال على امتداد الخارطة السورية، وإنه منذ عام 2012م قتل ما يقارب (50) ألفاً من قوات النظام السوري على يد مسلحي المعارضة السورية.

 

بالإضافة إلى أنه بمثابة تهديد كبير على المستوى الميداني إلاَّ أنه في الوقت ذاته ينذر- صانع القرار الإيراني- بأنَّ تغييرات كبيرة حدثت على المستوى الإقليمي؛ ناتجة عن تحالف (سعودي ـ قطري ـ تركي)، بعد مجيء القيادة السعودية الجديدة المتمثلة بالملك سلمان بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف ومحمد بن سلمان، وأن هذا التحالف وضع استراتيجية عسكرية وسياسية وأمنية لمواجهة المشروع الإيراني في المنطقة.

 

وبرسم السؤال أيضا: كيف واجهت القيادة الإيرانية هذا التطور الخطير على المستويين الميداني العسكري والدبلوماسي السياسي؟

 

أولاً وعلى الصعيد الميداني:

 

الخطوة الأولى:  دخول قوات الحرس الثوري الإيراني إلى منطقة جسر الشغور لقيادة المعارك هناك، بعد أن أرسلت إيران عدداً كبيراً من الضباط النخبة في الحرس الثوري، ومن المستشارين العسكريين الإيرانيين إلى منطقة جسر الشغور.

 

الخطوة الثانية: دعم حزب الله لبنان بأسلحة نوعية وجديدة ليدخل بها إلى جانب المستشارين العسكريين الإيرانيين من فيلق قدس الإيراني؛ لدخول معركة القلمون بقوة حتى تستطيع أن تضمن نجاحها؛ لإعادة موازين القوى بين طرفي الصراع.

 

وذلك لأنَّ سقوط القلمون بيد المعارضة السورية المسلحة، اعتبرته إيران بأنه سيشجع التحالف (السعودي ـ التركي) للقيام بهجوم عسكري واسع على غرار ما حصل من عمليات عربية مشتركة في اليمن.

 

الخطوة الثالثة:  تزويد قوات النظام بطائرات (ميغ 31)، فيما بدا وكأنه قفزة في سبيل تعزيز ما يملكه النظام من وسائط جوية، بعد أن فقد معظمها خلال الحرب التي أنهكت قواته الجوية واستنزفتها. فأصبح نظام الأسد، بعد حصوله على الطائرات الجديدة، يتحرك بشكل يجعل سيطرة قواته الجوية واضحة، متمكناً بواسطتها من الاحتفاظ بالأجواء بعد أن فقد الأرض.

 

الخطوة الرابعة: خلط الأوراق في الساحة التركية، وكان ذلك واضحاً بعد تفجير سروج الذي تبناه تنظيم الدولة وردت عليه قوى كردية أبرزها الـ (pkk) بقتل شرطيين تركيين؛ فتجد تركية نفسها في الميدان من خلال ملاحقة قوات الحماية الكردية في تل أبيض وكوباني (عين العرب)، وكذلك ملاحقة تنظيم الدولة، والسماح لقوات التحالف الدولي باستخدام القاعدة الجوية العسكرية (انجالك) قبل حسم الموقف مع الإدارة الأميركية من إنشاء المنطقة العازلة المأمول منها تركياً أن تتعزز قوات المعارضة السورية المعتدلة وتحول دون تمدد القوى الانفصالية الكردية المسلحة.

 

الخطوة الخامسة: تغيير التركيبة الديمغرافية من خلال الإحلال والتهجير لاعتبارات مذهبية بعد أن تم استقدام الآلاف من العرب والأفغان والباكستانيين وغيرهم من ذوي المذهب الشيعي للقتال في الجبهات المفتوحة في سوريا، فلم تعد أحياء كاملة في دمشق هي ذاتها التي هجر منها أهلها أو حرقتهم البراميل المتفجرة، وقد كان واضحاً الرئيس النظام بشار في أن المواطن السوري هو من يدافع عن سوريا في إشارة منه إلى المقاتلين المستقدمين لقتال قوات المعارضة.

 

ثانياً: على الصعيد السياسي:

 

تحركت إيران على هذا الصعيد (الدبلوماسي السياسي) مركزة الجهود لكسر التحالف (سعودي ـ قطري ـ تركي) وإخراج السعودية منه (التحالف)؛ لما لها من تأثير قوي أحدث تغيرات نوعية وجوهرية في الميدان أشرنا إليه سابقاً.

 

وقد تمثل ذلك في جملة تطورات شهدتها الأروقة الدبلوماسية نشاطاً سياسياً محموماً منذ بداية شهر أغسطس/آب الحالي، حيث لعب فيه وزراء الخارجية (جون كيري وسيرجي لافروف وعادل الجبير وجواد ظريف)، الدور الأساسي.

 

فقد بدأت اللقاءات في الدوحة بين الجبير ولافروف، ثم بين كيري ولافروف، وعاد الجبير إلى لقاء لافروف، لكن، في موسكو نفسها.

 

وقد اختُتِم موسم لقاءات الخارجية بمشاورات جمعت ظريف ولافروف، واللافت أن لافروف كان المحور ونقطة الارتكاز في كل أجزاء المشهد السياسي، وإذا أضفنا لقاءه رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، خالد خوجة.

 

وقد اشتعلت عناوين الصحف بخبر الحلف الذي سيتشكل لمحاربة الإرهاب، والمكون من سورية وتركيا والسعودية ودول أخرى، نغمة الإرهاب نفسها خرجت بعد لقاء لافروف مع كيري، ووافقه كيري على أن الإرهاب خطر كبير، يجب الوقوف في وجهه!

 

فيما استغل لافروف تصريحات كيري لينتقد موقف الولايات المتحدة من رحيل الأسد. ويبدو بعد ذلك أن الكيل قد طفح بالجبير، فقال، بعبارة صريحة لا تقبل التأويل، في لقائه الثاني بلافروف، إن على الأسد أن يرحل طوعاً أو بالقوة، فيما كان لافروف يلوك كلماته الأثيرة عن الإرهاب.

 

وفي آخر لقاء عقده حليفا الأسد (جواد ظريف ولافروف) وقال فيه وزير الخارجية الروسي إن موقف بلاده من الأسد “لم يتغير”.

 

فيما أبدت أمريكا إحجاماً واضحاً تجاه النظام، وعلى الرغم من عشرات التأكيدات على أنها لا ترغب برؤية وجه الأسد رئيساً في دمشق؛ لتجد موسكو في هذا السلوك الأميركي مؤشراً إيجابياً؛ لتحافظ على موقفها وتزيد دعمها الدبلوماسي والعسكري للنظام.

 

تحريك الورقة المصرية واللعب بها ففي زيارة هي الثالثة بعد توليه الحكم زار عبد الفتاح السيسي 25/ أغسطس الماضي روسيا، ونقلت صحيفة المصري اليوم أن وجهات النظر “الروسية المصرية” متقاربة في الأزمة السورية.

 

وفي ذات اليوم أكد بشار الأسد في مقابلة تليفزيونية مع قناة “المنار” التابعة لحزب الله اللبناني، بأن التواصل بين بلاده ومصر لم ينقطع، مؤكدًا حدوث تواصل مباشر بين الجانبين في الأسابيع الماضية على مستوى مسئولين أمنيين مهمين.

 

وإن كان لا يخفي “عدم قدرة مصر على الاستقلال بقرارها في ظل دعم المملكة الاقتصادي لها”، لكن الأطراف القريبة من النظام السوري تطمع بأن يجد الضغط الروسي والموقف المصري المنحاز طريقاً يدفع السعودية إلى القبول بحلول وسط ولو مؤقتاً، إلى حين التفرغ من القضايا الأخرى مثل اليمن.

 

تحريك بعض قوى المعارضة في الخارج وفي هذا السياق كان الهجوم من هيثم مناع ـ عضو لجنة مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية والرئيس السابق لهيئة التنسيق الوطنية في المهجرـ على قطر وتركيا، متهما قطر بالتحريض الإعلامي على سوريا، داعيا إلى حوار إيراني سعودي لإنهاء الأزمة السورية، على اعتبار أن الدولتين تشكلان محورين قويين في المنطقة.

 

لكن جملة التطورات الميدانية والدبلوماسية تصب في اتجاه واحد، بأن الساحة السورية ستبقى ملعباً مفتوحاً يتصارع فيه الكبار سواءً الدوليين منهم أو الإقليميين تحقيقاً لأطماعهم، وإن كان ذلك على حساب معاناة المهجرين أو من تحاصرهم شلالات الدم المسفوك بغير حق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد