تجاهل النظام السوري للجائحة العالمية يعرض حياة الآلاف لخطر كبير .. هل يمكن لهذه الأزمة جمع أبناء المجتمع الواحد سياسيًا؟

منذ بداية العام الحالي شل النظام العالمي بما عرف بفيروس كورونا، الذي ظهر في مدينة ووهان الصينية وسرعان ما انتشر ليغزو معظم دول العالم. وقد اختلفت استجابة هذه الدول وفقاً لطبيعة الأنظمة الحاكمة فيها.

كحال معظم الأنظمة الديكتاتورية، حاولت الصين إخفاء وجود الفيروس في البداية، ولكن الإدارة المركزية الصارمة، التقدم التكنولوجي، والاستجابة السريعة ساهمت جميعها في الحد من انتشار الوباء هناك. إلا أن أنظمة أخرى مشابهة ما تزال تحاول عبثًا التقليل من حجم أضرار الفيروس، كما هو الحال في إيران ومصر، أو إنكار وجوده أساسًا كالنظام السوري!

الكورونا أزمة عالمية.. لكن ليس في سوريا!

مما لا شك فيه، أن هذا الوباء السريع الانتشار قد سجل حضوره في جميع الدول المحيطة بسوريا جغرافيًّا، والحدود ما زالت مفتوحة أمام ما يعرف «بالقوات الرديفة» الأجنبية من العراق، وإيران، وأفغانستان، ولبنان وجميعها دول أعلنت انتشار الوباء فيها. إلا أن وزير الصحة في حكومة النظام السوري ما زال يصر على أن سوريا خالية من الفيروس، وأن الإجراءات الوقائية تنفذ على قدم وساق، وذلك رغم تهدم النظام الصحي بشكل شبه كامل، من تدمير كبير لحق بالمؤسسات الصحية، وغياب الكوادر الطبية المختصة، إضافة لتهالك الأجهزة الطبية والمخبرية، التي أضحت غير قادرة على استيعاب العدد الكبير للمرضى والجرحى ضمن مناطق سيطرة النظام حاليًا، ناهيك عن المرضى المحتمل وقوعهم من جراء فيروس كورونا المستجد.

ومن غير الممكن غض الطرف عن المعاناة الإنسانية اليومية التي يعيشها السوريون على مستوى الخدمات، من كهرباء، وماء، وطاقة، وارتفاع كبير في مستوى البطالة، والاستياء الكبير الذي ما يغيب لفترة إلا ويتجدد في جوانب مختلفة، من انخفاض كبير لقوى الشباب العاملة بسبب سياسة التجنيد الإلزامي في صفوف قوات الجيش، ورفض تسريح الجنود القدامى منذ عام 2011، إضافة لأزمات الغاز والبنزين والمحروقات، التي لا تنتهي بسبب تخصيص النظام السوري الأولوية للعمليات العسكرية والمسؤولين وأصحاب النفوذ الأمني، الأمر الذي يؤدي في نهاية المطاف لتوزيع الفتات مما تبقى من المخزون على المواطنين الذين ينتظرون لساعات طويلة الحصول على لترات محدودة من الوقود.

في ظل هذا الوضع المأساوي الذي يعيشه السوريون في مناطق النظام، ما يزال الإعلام السوري الذي بات مادة بسيطة للهزل بين المدنيين، يصور سوريا على أنها في طريقها للتعافي من الحرب إثر الانتصارات التي يسجلها «الجيش السوري» و«قواته الرديفة»، في حين يخفي الإعلام ذاته حجم الخسائر المادية والبشرية التي تلحق بالسوريين إثر هذه العمليات التي يستخدم بها بشكل أساسي المدنيين أوراق ضغط على المجتمع الدولي ودول الجوار، متجاهلًا آلام وجراح ملايين المتضررين من عمليات القتل في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، أو الحياة البائسة والموت البطيء في مناطق سيطرته، بعد بيع موارد سوريا ومصادر دخلها لروسيا وإيران؛ وذلك بغية بقاء الأسد وعائلته على رأس السلطة في دمشق.

اليوم بات النظام السوري في تحد جديد لإقناع السوريين بأن الأمور ما زالت تحت السيطرة فيما يتعلق بمواجهة فيروس كورونا، ولكن هل سيبقى السوريون هناك صامتين على موت آبائهم وأجدادهم، بعد ما فتكت آلة الحرب بشبابهم؟ أصوات بدأت تتعالى من داخل مناطق سيطرة النظام تعكس الصورة الحقيقية التي يحاول الإعلام إخفاءها من يأس وبؤس يعيشه المدنيون هناك، وعدم وجود ثقة بقدرة المؤسسات الصحية المسؤولة عن حماية أرواح الملايين من الفيروس العابر للحدود، والذي بات في قلب دمشق وسط تحذيرات لمنظمة الصحة العالمية صرح بها رئيس فريق الوقاية من الأخطار المعدية، عبد الناصر أبو بكر، أنه يتوقع انفجار في الحالات في سوريا واليمن في ظل «نظام مراقبة صحية ضعيف».

وكانعكاس على الحالة البائسة التي يعيشها السوريون في مناطق سيطرة النظام، انتشر مؤخرًا على وسائل التواصل الاجتماعي فيديو يعتقد أنه لشاب من الطائفة العلوية، تظهر فيه صور لمعالم من مدينة اللاذقية يكذب فيها بروبوجاندا النظام التي تشير إلى تعافي سوريا، بل يصرح الشاب بغضبه ونقمته على القيادة الحالية التي دمرت البلاد وباعتها لروسيا وإيران، على حد وصفه، ويدعو فيها إلى ضرورة الاصطفاف الوطني والتعاون مع الطائفة السنية، التي يكذب فيها أيضًا ما يشاع على أن جميع السنة «متطرفون ودواعش».

هل يمكن لكورونا أن يكون نقطة وصل تجمع السوريين المتحاربين؟

هذا الفيديو يمثل عجز آلة النظام عن خداع الشعب السوري، ويعد مؤشرًا مهمًّا على ضرورة مد الجسور الوطنية بين مختلف الطوائف السورية، والتي لم ينفك نظام الأسد عن تدميرها بهدف عزل الأقليات، واستخدام شبابهم ومواردهم في حربه ضد «الإرهاب» حسب ما يزعم، إلا أن الأيام باتت تكشف للأقليات أن الحرب المزعومة ما هي إلا شماعة لتدمير أواصر الشعب السوري، واستمرار حكم آل الأسد المتجاهل لآلامهم ومعاناتهم.

وهنا، لا بد للمعارضة السورية من تغيير خطابها وسلوكها وبوصلتها من سياسة الاستجداء، وإظهار العجز أمام المجتمع الدولي نحو إنشاء قنوات التواصل مع الشعب السوري بكل أطيافه، ويقع على عاتق المثقفين من المعارضة مد يد التواصل للأقليات الطائفية في سوريا، وفي مقدمتها الطائفة العلوية التي دفعت أثمانًا باهظة في حرب جرَّت إليها ضد عدو وهمي أنشأه النظام وأزكاه بنَفَس طائفي منذ عام 2011. إذن ينبغي أن يتعالى الخطاب الوطني الجامع لكل مكونات المجتمع السوري، والبدء بخطوات جدية إعلامية وسياسية تُبرئ السنة من التنظيمات الإرهابية، وتكشف خطط النظام التي اعتمدها على تشويه صورة المكون السني؛ بهدف تهديد الأقليات وضرب النسيج الاجتماعي السوري.

هذا الحوار سيكون البداية الحقيقية لنهاية الصراع في سوريا، نهاية تلبي تطلعات معظم أبناء الشعب السوري في العيش ضمن دولة تحضن الجميع، وتحت سقف قانون لا يميز مسؤولًا على مواطن، ولا عنصر أمن على مستضعف. هي وبلا شك طريقة طويلة نحو تحقيق الدولة المنشودة في وطن قتل وشرد أبناءه ليعيش ثلة في سدة الحكم.

قد يشكل فيروس كورونا فرصة لبدء حوار وطني شامل على مستوى مكونات المجتمع السوري، بعد أن بات موقف النظام مفضوحًا في التعامل مع السوريين وآلامهم وإصراره على استخدام القبضة الأمنية، حتى في التعامل مع وباء جائح يهدد حياة الآلاف، ودون هذا الحوار لن يستطيع الشعب السوري تجاوز كارثته الحالية، وسيبقى رهين الاتفاقيات الدولية ومصالح الدول المتغيرة، الثابت فيها هو المعاناة السوريين كافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد