تشير الظواهر الاجتماعية إلى أن خطر تجذر السلطة، والاستقرار القسري في نظام الحكم، يتبعه بالضرورة ركود مستدام؛ فينتج عنه عدوى اجتماعية تسعى إللى تثبيت عادات وطبائع خاصة، يعزى إليها جموده. في ظل نظام الحكم المطبق عليه. وقد لا نحتاج إلى كثير من العناء لتمييز المجتمعات المستقرة تحت تأثير القسر المرتبط باستبداد نظام الحكم، أو السلطات التي تؤلفه؛ والتي تتولى إدارة هذه المجتمعات، عن تلك التي تعاني من تذبذب تغيير السلطة، وانتقال المجتمع من حال إلى آخر، كلّما تبدلت سلطته.

بطبيعة الحال، قد يكون التغيير غير محسوس وتدريجيًا في المجتمعات المستقرة، مَثَلهُ مثل أية حالة نمائية تحصل ببطء، فتنقلب الصورة والدّور الاجتماعي، ليصبح المجتمع محافظًا إلى حد ما، مدافعًا عن استقراره، وفيه ميل إلى مقاومة التغييرات المفاجئة، التي من شأنها أن تحوّل من طبيعته المحافظة، فلا يحبذ الفرد، ولا غالبية المجتمع الخروج على نطاق المألوف.

وليس المعنى في هذا أن هناك مجتمعات جامدة بالمطلق، فالمجتمعات الإنسانية كلها تتغير، لكن ما يمكن رصده، هو الشدّة والوتيرة، التي يتسارع فيها التغيير في ظل سلطات لا تقاوم إرادة المجتمع العامة، فتستسلم للتغيير وأثره المديد والمتنامي، وليس نموذج الثورات التي تم تسميتها اصطلاحًا بثورات الربيع العربي ببعيد عن هذا التصور.

فماذا عن بعض المشاهدات التي ارتبطت بمظاهر التكيف الاجتماعي، وانهيار منظومة القيم والأعراف السائدة، في ظل وجود سلطات محلية طارئة أو متبدلة، لم تستطع تغيير النظام بالكامل، واكتفت بفرضها لأدوات الحكم المحلي الجديد؟

عندما نجد أن بلدًا مثل سوريا قد التصقت عراه التصاقًا مؤقتًا، طيلة قرن مضى، ثم ما لبثت أن تفصَّمت روابطه، ولم تصمد أمام التشظّي الواسع في القيم والعادات والسلوك؛ بفعل خضوع المجتمع لسلطات متناوبة، بين حين وآخر، تفرض نفسها عبر وسائل الإكراه العنيف؛ أجبرها على التخلي عن تقاليد وطبائع اعتيادية، ليحل محلها عادات جديدة لم يختبرها المجتمع، وليست راسخة في وجدانه العميق، لكنها امتثال متنوع الدوافع والخلفية الثقافية، ومرتبط باعتقادات مذهبية، أو قومية، أو أيديولوجية.

هذا الانحلال والتحلل من مجمل محددات الهوية الوطنية السورية عند أول حالة اقتراف للفوضى، والاعتماد على التمرد أسلوبًا في تغييرها. يدلل بشكل رئيس على حالة يأس اجتماعي، وسلوك يستبطن مفاجآت المعارضة الشديدة لأية سلطة سياسية، تقوم على القسر والترهيب. فتلجأ إلى قمع المجتمع؛ لأنها لا تتمتع بشرعيتها الاجتماعية الواسعة. وهي ليست إفرازًا طبيعيًا لأغلبيةٍ سياسيةٍ تتولى شؤون الحكم والإدارة. فيقع الفرد والمجتمع، في حالة من التماهي الكامل مع من يستحكم بشؤونه السياسية والإدارية والاقتصادية. بيد أنه لا يدافع عن سلطة لا تمثله، في حالات التدهور والانحدار.

توالدت سلطات محلية في سوريا بعد أن نالت من نظام الحكم معززة بالفصائلية، حاولت الإجهاز النظام ومنافسته في مناطق النفوذ، فتغيرت سلوكيات عديدة ومفاعيل اجتماعية وأعراف وتقاليد تبعا لهذه السلطات الجديدة، فلم تعد العائلة، ولا العشيرة، ولا الجماعة، ولا الولاءات الحزبية، ولا النقابات والمنظمات، كما كانت في (سوريا الأسد) – كما يحلو لأنصار النظام تسميتها – وفرضت حالة النزوح تدهورًا شديدًا في عادات وتقاليد المجتمع المحلي، وفككت حالات العوز الشديد كثيرًا من القيم الاجتماعية.

في المقابل فرضت التقسيمات الإدارية الجديدة وفقًا لمناطق النفوذ والسيطرة عادات وطبائع جديدة تمظهرت بحالات النفاق الاجتماعي والسياسي، فلم يعد تمسيح الجوخ، ولا كتابة التقارير، ولا المداهنة للسلطة محصورة بأزلام النظام، أو باستخباراته، وإنما فرض تعدد السلطات تعددًا جديدًا في مجموعات الولاء وما يرتبط بها من تقاليد الفساد، التي وصمت الطبيعة الاجتماعية لأفراد سوريين تمت تربيتهم على مدى عقود في كنف الحزب الواحد والقائد الواحد.

لم يكن الفساد في سوريا الأسد مجرد آفة من آفات إدارة المجتمع وشؤونه، وإنما تحول إلى تقليد اجتماعي معاند، وعادة يحاول السوري نشرها أينما حل، فصار السوريون يتداولون فيما بينهم نقدًا لاذعًا لطبيعتهم، التي خربها الفساد المنظم، إذ ليس باستطاعة السوري الذي عاش في كنف نظام فاسد أن يتخيل سلطة نزيهة في بلاده، أو البلاد الذي انتقل إليها لاجئًا، ومرد ذلك إلى التشوه الكبير الذي لحق منظومة القيم في المجتمع السوري، ولعقود من الإفساد المنظم.

أضف إليها انعكاسات التضخم الاقتصادي وتراجع القوة الشرائية، التي صار لها النصيب الأكبر في تغيير عادات المجتمع المحلي، وسوقه باتجاهات الانحدار الأخلاقي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد