بعد قرابة العشر سنوات من عمر الثورة السورية، وتعقد المشهد السوري، وكثرة اللاعبين الدوليين والإقليميين وحتى المحليين، بدأ الخناق يضيق على النظام السوري أكثر، ولعل طول أمد الصراع الذي كان يروج النظام منذ اليوم الأول بأن « الأزمة خلصت» أصبح هاجسًا يؤرق النظام على عكس ما كان يخطط له هو وحلفاؤه، بأن استعادة السيطرة على المزيد من الأراضي من المعارضة سيعيد له نشوته العسكرية والاقتصادية، وخصوصًا أمام مؤيديه، ويقوي موقفه أمام الدول الداعمة للمعارضة.

ولكن الذي يحدث الآن في مناطق سيطرته أثبت العكس تمامًا فطوابير الخبز التي تمتد أحيانًا إلى عشرات الأمتار وطوابير السيارات على محطات الوقود، وانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية تعكس تمامًا هشاشة الوضع الاقتصادي المهترئ أساسًا وبنظرة سريعة على الموازنات التي اعتمدها النظام السوري خلال العشر سنوات الماضية تعطي مؤشرًا واضحًا على هذه الهشاشة.

ففي عام 2011 أقرت الحكومة السورية آنذاك موازنة تقديرية بقيمة 835 مليار ليرة سورية؛ أي ما يعادل 16.7 مليارات دولار حسب سعر صرف الليرة السورية في ذاك العام.

أما في عام 2021 أقرت الحكومة الحالية موازنة بقيمة 8500 مليار ليرة سورية، بما يعادل 2.8 مليارات دولار حسب سعر الصرف.

وهذه القيمة بالدولار الأمريكي ليست ثابتة حتى، فتقلبات سعر صرف الليرة السورية وتدهورها من شهر لآخر سيساهم في تقليص حجم هذه الموازنة الصغيرة أساسًا لدولة تفتقر للبنية التحتية بعد عشر سنوات من تدميرها.

ناهيك عن الرواتب الحكومية للموظفين التي لا تتعدى اليوم 40 دولارًا في الشهر للموظف من الفئة الأولى.

أما عن الوضع في الشمال السوري فقد يكون الوضع الاقتصادي أفضل بعض الشيء من مناطق النظام؛ وذلك نظرًا لسهولة الاستيراد وإزدهار التجارة بعض الشيء، مما شجع رؤوس الأموال على الاستثمار في هذا المجال وتأمين حاجيات تلك المناطق، ولكن تبقى مشكلة التهجير والنزوح المستمر من أهم المشكلات في هذه المناطق، ففي بداية عام 2020 نزح أكثر من مليون إنسان من مناطق ريف إدلب الجنوبي والشرقي وريف حماة الشمالي، حسب إحصائيات الأمم المتحدة في آخر موجة نزوح وحوالي 13 مليون نازح ومهجر منذ عام 2011.

أما عن الوضع الصناعي ما زال يعاني بشدة من المعوقات التي تضعفه وقد توقفه حتى، والوضع الزراعي لا يختلف كثيرًا عن مثيله الصناعي إلا أنهما لم يندثرا.

فكما أسلفنا سابقًا فإن طول أمد الصراع وضعف الوضع الاقتصادي للناس، سواء في مناطق النظام أو المعارضة، ساهم بشكل كبير في اقتناعهم بضرورة البحث عن حلول توقف هذا الصراع، وأصبحنا نسمع أصواتًا تتعالى من مناطق النظام ومن قلب قلاعه في الساحل السوري حتى عن ضرورة الخروج من عنق الزجاجة وإيقاف هذه الدوامة غير المتناهية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه عن شكل هذا الحل وآليته؟

1- بعد اقتناع الناس في سوريا من كل الطوائف بأن وجود هذا النظام هو العائق الأكبر أمام الحل في سوريا، وخصوصًا بعد تسليمه لمقدَّرات البلاد لإيران وروسيا، سواء عبر معاهدات واتفاقيات حكومية، وحتى عن طريق الاستثمارات ليضمن بقاءه على رأس السلطة «بالأجرة».

فكلما انتهى عقده سارع لتجديده عبر بيع ميناء هنا ومطار هناك، وبات الجميعمقتنعاًا بأن هذا النظام لا مكان له في إعادة إعمار سوريا بعد ما دمرته وعفشته مليشياته عبر حملاته العسكرية والأمنية، وبأن الحل يبدأ باقتلاع واستئصال هذا الورم المستشري.

2– لم يعد مصير الطائفة العلوية ولا مصير الأقليات مرهونًا بوجود هذا النظام، فالدروز في جبل العرب انحازوا عن الانخراط بشكل أو بآخر عن الانضمام بشكل صريح معه، وحتى الأكراد مضوا لتحقيق حلمهم بالانفصال وإعلان ما يسمى بدولتهم «روج افا »، وحتى الطائفة العلوية لم تعد تستطيع تقديم المزيد من القتلى لاستمرار آلة القتل والقمع المستمرة، وبدأوا يعيدون حساباتهم بأن طول أمد الصراع سينعكس بشكل كبير على وجودهم.

3- تململ رؤوس الأموال الداعمة للأسد من طول أمد الصراع وتحملهم أعباء ما عادوا يطيقونها من مبالغ تدفع لدعم المجهود الحربي، مرورًا بتسلط الميليشيات على أرزاقهم وفرضهم الإتاوات على منتجاتهم ونهاية بالضرائب وانهيار العملة السورية، وملاحقتهم وحجز ممتلكاتهم، كما حصل مع رامي مخلوف مؤخرًا.

4- جيش منهك مفكك يسوده الجشع والسرقات، يقتات على تعفيش أرزاق الناس، يحتاج من حين لآخر لاحتلال مناطق جديدة لإشباع نهم أمراء الحرب، وقد أذهب إلى أبعد من ذلك بأن هذا الجيش بات متعدد المرجعيات ومنقسمًا، ولم يعد يعد كتلة واحدة تخضع لوزارة الدفاع، بل كل فرقة فيه أو مليشيا تدين بالولاء لجهة معينة.

نهاية بعد كل هذه المعطيات التي يمكن أن نستند إليها للوصول لنهاية النفق وحل المعضلة، يجب العمل عليها مجتمعة، فلا حل بدون التخلص من هذا النظام نهائيًّا، وأي محاولة لإصلاحه وتعويمه من جديد ما هو إلا لعب على الوقت ومراهنة على تقلبات دولية وإقليمية لاستعادة قواه المنهارة أساسًا، وأي حل لا يشمل جميع مكونات الشعب السوري ويغير في بنية النظام بجميع مؤسساته العسكرية والاقتصادية والسياسية، هو مجرد مضيعة للوقت ومتاجرة بالشعب السوري واستمرار وزيادة معاناته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد