تعليم الأطفال السوريين

أستاذي: لن أستطيع الحضور بعد هذا الدرس! لماذا وأنت طالبة مجتهدة يا بنان؟ عمي قد تُوفِّي.

لم يفهم الأستاذ الرابط بين امتناع الطالبة عن الدوام في الدورات الخاصة لفهم المقرر الأجنبي عليها وموت عمّ الطالبة، لكنه مع قدوم والدها لأخذها تأملَ أن يفهم: أي أخي لماذا ستترك بنان الدوام وهي تستفيد من الدروس في متابعة دروسها؟ نعم أستاذ! لن تداوم لأن أخي تُوفّي وهو شريكي في العمل، وسيتغير مكاننا. رحمه الله وغفر له؛ لعله خير، كيف تُوفي؟ أي الله يرحمه؛ زاد الجرعة فما تحمّل ومات! جرعة أيش أخي؛ هل هو مريض ويتناول أدوية معينة وبالغَ فيها؟ لا أستاذ؛ جرعة حشيش، نحن تجار حشيش وهو مدمن فزاد بالجرعة وراح فيها!!

وما زال الأستاذ عدنان يحاول فهم ما يقول الرجل، ولعله وصل بيتَه والأستاذ ما زالت الإشارات تدور حول رأسه، أو الأرض تدور من حوله وهو واقف متسمِّر؛ وليس في ذهنه إلا الفتاة الجميلة بنان الضحية!

ابني: كل يوم نقول قصّ شعرك لأنه أنظف وأنسب لطالب في المدرسة. لا آنسة، لن أقصّ شعري ولو طردتِني من المدرسة!! أنت ولد قليل تربية؛ اخرج ولا ترجع إلا وولي أمرك معك.

نعم آنسة؛ أنا والد الطالب جاسم. أهلاً أخي وسهلاً؛ نأسف لإزعاجك لكن ابنك غلط معنا ولم نشأ طرده لكنه تمادَى، طلبنا من الطلاب تقصير شعرهم وهو يرفض ويتحدانا!

صحيح آنسة؛ ابني لا أقبل أن يقصّر شعره، وإن كان لا يناسبكم فافصليه من عندك وأنقله إلى مدرسة أخرى؛ فهو أصلاً انتقل من المدرسة التي كان فيها لأنهم أصرّوا أن يحلقوا شعره!

وأُغلق الباب بقوة لم تكن – على قوتها ووقاحة الفعل – قادرة على كسر جمود المديرة في مكانها وهي تسمع هذا الوليّ!

ابني حسام: لماذا تركت المدرسة وتقف على الإشارات لتبيع المناديل؟! ارجع فأنت طالب ذكي ومجتهد. آسف أستاذ؛ لا أستطيع العودة للمدرسة فأنا وإخوتي منتشرون على الإشارات نبيع المناديل لإعالة أسرتنا، فنحن مع أمّي وهي لم تعد قادرة على العمل، واضطررنا لترك المدرسة لنقوم بها بعد توقّف كفالاتنا كوننا أبناء شهيد!

فتحت الإشارة أستاذ؛ السيارات وراك تصيح! تمام تمام؛ وكذلك مضى الأستاذ عبد الحسيب في دنيا أخرى غفل معها عن الإشارة والسيارة من ورائه.

فاطمة: ما سبب غياب ابنة عمّك تغريد عن المدرسة؟ كانت طالبة متفوقة في العام الماضي ولا نراها معك هذا العام! صحيح أستاذ؛ لكنها تزوجت وانتقلت مع زوجها إلى بلد آخر. نعم؛ تزوجت؟! كيف وهي لم تكمل الصف الثامن! أي والله يا أستاذ، تزوجت وهي حامل الآن.

ومضى وقتٌ من الدرس والأستاذ شارد الذهن يستذكر تلك الطالبة أمامه، ويحاول رسم صورة لها في البيت مع الطبخ والحمل؛ فلا تجتمع له أجزاء الصورة وتختلط ببعضها اختلاطَ أكثر أمور اللاجئين خارج بلدهم!

ليست هذه الأمثلة من كتب التربية وقصص التراث الشعبي يلوكها الحكواتية في الحارات، ولا للتسويق الإعلامي للتعليم والمدارس؛ بل هي نماذج يسيرة من قصص بالآلاف لطلابٍ سوريين قذفت بهم الحياة خارج التعليم، إنْ داخل سوريا وإنْ في بلدان اللجوء.

دون الخوض في الكبار وما فعلوا بشهاداتهم الجامعية؛ فتلك قصص لا تتسع لها المجلدات ذوات العدد، وإنما هذه نماذج عن زهرات الحياة من طلاب المرحلة الابتدائية.

ولا أتحدث عمن حُرموا الدراسة بسبب القصف والتدمير والتهجير القسري، ولا عمّن حُرموا التعليم بسبب الإصابات والإعاقات، ولا مَن قضوا وهم في المدارس أو في الطريق منها وإليها.

فتلك كلها زهرات معروفٌ قاتلها والمجرم بحقّها، وهم صفحة في سجّل جرائمه ضد الإنسانية.

لكن الحديث هنا عن أطفال قتلى، لكن الجاني قريب حبيب، قتلى يموتون وهم بيننا ونحن ننظر في عيونهم؛ بل ربما نسعد لما يحلّ بهم.

ربما نُعذَر لأننا نجهل أنهم بتركهم التعليم قد ماتوا، وأنهم عند بعثتهم الصغرى سيلعنوننا وإن كنا صرنا في ديار الحق. نعم؛ إن أفاقوا من السعادة المزيفة وزال عنهم زبد الشهوة العاجلة وتكشفت أمامهم الحقائق لن يرحموا مَن كان سببًا في موتهم، أعني مَن كان سببًا في تركهم الدراسة.

ولا يقل وقتها أبٌ أجبرَ ابنتَه على الزواج أو أمٌّ غرّرت بابنتها وفتنتها ببريق الذهب: إنما كنا نريد سترها! فهل تُراها كانت مفضوحة عندك في بيتك؟! ولا يقل والدٌ قصّر في تربية ابنه وتوجيهه: لم يكن ينفع في الدراسة فقلت لعله ينفع أكثر لو تعلّم صنعة بيده! فالدراسة لا تمنعه من تعلُّم صنعةٍ ما أو صناعات في العطلة؛ فهي حُجّة أوهى من سابقتها.

وأمّا مَن حرموا زوجات الشهداء كفالات أيتامهنّ وخانوا أمانات الشهداء وهم يقدرون؛ فأولئك إنما حسابهم إلى الله فيمن تدرّعوا بهم فنجَوا وهم جبناء وقضَى الشجعان بين أيديهم ثم قصّروا في خدمة ذويهم!

وأما المدمنون وأرباب صنائع السوء وأخلاقيات الشوارع فالمقام أرفع من النزول إلى الدرك الذي رضوه لأنفسهم؛ لكن أطفالهم سيكونون أول الشهود عليهم؛ إن في الدنيا عاجلاً، وإنْ في الآخرة عند مليك مقتدر.

فالعاقل مَن يحرص ألا يقصّر طالبٌ في الدراسة بسببه، ومن يتفطّن أن العلم للأطفال أهمّ من الغذاء والشراب والكساء. فلن يغني عن أولادنا حُسن طعامهم ولباسهم إن كانوا بلا أدب وعلم، كما لا يضير الفقير يخفّ ثوبه وبين جنباته علمٌ وفيرٌ وأدبٌ جمّ.

والسعيد أكثر مَن يكتب له الله أجر إحياء نفس (ومَن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعًا)؛ فأية سعادة أعظم من تعليم طفل! وأي إحياء أعظم من إعادة طفل إلى مدرسته؛ بكفالة أسرته إن كان يتيمًا، أو بتأمين لوازم المدرسة له إن كان فقيرًا لا يجدها، أو بترميم مدرسته التي دمّرها له أعداء العلم والإنسانية!

ليس للجنّة باب واحد؛ بل لها أبواب متفرقة، يدخل الصائم من باب والقائم من باب، وتلك من رحمة الله بعباده وعظيم لطفه وحكمته؛ فكل عبد يجد نفسَه في عملٍ من أعمال الخير، فالمهم أن يكون في الخير وما أكثر أبوابه على مَن طلبَه وحرصَ عليه.

وليس القيام بالعلم وطلابه في باب التدريس وحسب؛ فالمعلِّم الذي رضيَ بالتدريس بلا مقابل إبراءً للذمّة في الداخل السوري، له حقّ في رقاب كل مَن يقدر أن يخدمَه كرامةً له على قيامه برسالته. والطالب يريد الدراسةَ ولا يجد الحقيبة والكتاب والقلم والدفتر له في أعناق مَن يقدرون على ثمن حقيبته حقّ يُسألون عنه.

ليس تعليم الطلاب السوريين معركة النظام والمعارضة، بل معركة الأمّة كلها، معركة الشعب السوري كله؛ فالأطفال السوريون هم رأسمال البلد، وعلى كل سوريّ القيام بما يقدر عليه لحفظ رأس المال هذا وصيانته، ولا يُصان طفلٌ بشيء كما يُصان بالعلم.

لن ننجح في ثورتنا ما لم نؤمن أن التعليم فوق المساومات السياسية والمفاوضات الدولية؛ إنه حقّ الطفولة، وهو أقدس من تدنيسه بالسياسة، هو حقّ الأطفال في رقابنا، لا أقول: حقٌّ علينا تعليم أبنائنا من زوجاتنا أو أمهاتنا وحسب؛ بل كل طفلٍ طالبٍ هو ابني، وكل طفلةٍ طالبةٍ هي ابنتي، ولا خيرَ فيمن ينظر في حوائج بعض أبنائه وينسى الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد