اسمعوني!

أنا أعيش بعيدا عن معاناتكم، وإن كنت أشعر بشيء مما تعانون. أبكي عليها آلما وحسرة، ليس على الماضي القريب الذي أرجو أن يزول, بل على المستقبل الذي يحاربه التحالف والمصالح، تصيبني الغصص، ويملأ وجهي الدمع، ولكنهم قديما قالوا:”من يده فى النار ليس كمن يده في الماء”.

أنا الذي إن ناديت عليكم: أن اصبروا! نادى عليكم المرجفون:  فليأتي وليعاني معاناتكم من ينادي عليكم اصبروا!

فإن أنا آتيتكم نصرة ودعما نادوا بأني إرهابي، ونادوا على ثورتكم أنها ثورة الأجانب والعصابات المسلحة والتدخل الخارجي!

رغم أن الأعمى لم يعد يخفى عليه دور الروس والإيرانيين ومرتزقة العراق وأفغانستان وحزب الله قبل أن يرفع سلاحا أو يحدث انشقاقا أو تطلق طلقة من جانب الثوار.

لكن نداء اليوم مختلف عن كل نداء، نعم أناديكم على شبع مني، وجوع فيكم أناديكم، من وسط الدفء وأنتم وسط الثلوج وقصف وبراميل.

 

لكن أرجو أن تسمعوني

لن تهتم بآلامكم الأمم المتحدة؛ لأن الأمم المتحدة تتحد فقط لنصرة الأقوياء، والأقوياء يحكمون بما يناسب مصالحهم، ومصالحهم ليست في نصرتكم، بل في تصعيد النظام صراحة، أو بإعادة تدوير تلك اللعبة التى لا تكف عنها أمريكا، واسألوا أفغانستان أثناء الاستعداد لخروج السوفيت، أو اليمن ومصر وتونس بعد الثورة.

لن تفعل أمريكا لكم شيئا؛ لأن الأمريكان ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في العراق وأفغانستان، وروسيا ارتكبت الشيء نفسه في الشيشان من قبل، ومازالت تحاول هناك، بل وسعت رقعتها لتشمل جورجيا وأوكرانيا، والعالم بالطبع يشاهد ويدين، كإدانة بان كي مون المقيتة، التي هي في الأساس تعني بشكل واضح للمجرمين المعتدين أن استمروا واضغطوا؛ فسياسة الأمر الواقع من تأسيسنا.

أما الصين فلا يخفى عليكم ما يفعلونه بالمسلمين فى تركستان الشرقية المحتلة، وبالمعارضة هناك عموما، فلن ينصر المجرم ضحية .

ثم لا يغيب عنكم أن كل الذين ذكرنا يدعمون الكيان الصهيوني الذي فعل ويفعل  بفلسطين وأهلها ما لا يخفى عليكم.

لا تظنوا أن صور جوعكم التي ظهرت في اليرموك، واليوم الزبداني، ومعظمية الشام، التي هادنت النظام، فأكلها كما سيأكل غيرها، أنها ستوقظ حكومات العالم أو تمثل ضغطا كبيرا عليه؛ لأن المجتمع الدولي مهتم أكثر بهجمات باريس الدامية، وغير مهتم بالإبادة الجماعية التى تصير ضدكم منذ سنوات، ولو اهتم لاهتم بالقصف الكيماوي، أو اهتم بالصور المسربة من داخل المعتقلات من “قيصر” التى تنبئك كيف تدار المعركة، وكيف سيكون الحال لو فاز النظام أو عاد في ثوب جديد تحت زعم انتخابات نزيهة يشارك فيها القاتل الضحية بدلا من أن يحاكم.

لا تظنوا أن المجتمع الدولي لا يدرك الفرق بين تنظيم الدولة والقاعدة والجيش الحر أو الرابط بين جيش الإسلام وأحرار الشام وباقي الفصائل التى تقاوم المحتل الإيراني الروسي والنظامي! هو يدرك، لكنه خلط الأوراق المتعمد الذي سمح ” لداعش” بالتمدد رغم إمكانية حصره من يومه الأول، ويشاهد روسيا تقصف الأبرياء والعزل، وحتى من يقاتل داعش، ثم يخرج “أصدقاء الشعب السوري” ينددون رغم أنهم ينسقون مع الروس برعاية أممية في الجو والبر وفي قاعات جينيف “الخفية”.

لا تظنوا أنه بعد كل هذا التجويع والقصف والدم والوجع سيكون النظام رحيما بكم حينما ينتصر؛ لأنه لو كان رحيما ما اضطركم ابتداء للخروج والهتاف: حرية، ولأنه لو كان رحيما ما قصفكم بالبراميل، وما اغتصب نساءكم، وما عرى رجالكم، وما نتف لحى شيوخكم؛ ولأنه لو كان رحيما ما عذب حمزة الخطيب وأصحابه، ولا أدخلكم في حصار وتجويع يذكرنا بما فعل الكفار مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم أن حبسوه وصحبه في شعب أبي طالب يأكل أحدهم جلدة ميته، يبقى عليها ثلاثة أيام جراء الحصار الظالم من مشركي قريش.

لأن المحبوس حين يريد الفرار من محبسه، ويتمكن السجان منه، لن يجعل قيده بعد هذا  خفيفا أو يجعل سجنه مريحا، بل يزيد في القيد والتعذيب؛ حتى لا يخطر بباله مرة أخرى التفكير فى الهرب ونيل حرية مسلوبة.

لا تظنوا أن تلكؤ العالم في نصرتكم لأن ثورتكم مسلحة! لا: العالم يدرك أنكم لا تقاتلون غاندي أو مانديلا، بل يدرك العالم أن بشار الأسد مجرم، مدعوم من نظام مجرم: هو النظام الروسي، بمساندة من دولة طائفية: هي إيران الشيعية، بغطاء أممي يسمى المفاوضات. مع صمت ورضا أصدقاء الشعب السوري.

واعلموا أن أمريكا لن تترك الساحة السورية للروس، هي فقط تضغط على المعارضة السورية لبيع “الأمريكان” مزيدا من الدماء، حتى يرضخ المعارضون والمقاومون  بعروض “الاستربتيز” الأمريكية الروسية المذلة المميتة التي تتم  في تنسيق تام،  وليس فى عزلة، ومن يظن أن أمريكا غير قادرة على النزول إلى سوريا بالدعم والتنسيق فهو مخطئ بشدة.

لا تظنوا أبدا أنه يوم أن ينتصر النظام سيعم السلام! وستعود البسمة ويشفى الجريح ويأمن الخائف! لا فالقادم هو الانتقام؛ لأن أكلة لحوم البشر لا تثنيهم التوسلات عن ذبح الضحية، لأن طعم اللحم يغريهم على الدوام.

واعلموا أن الدول التى تدعو إلى نصرتكم أو إلى حربكم لن تقبل بثورتكم  بديلا لبشار أبدا، لذلك هم يتركون أمثال داعش إلى التوغل حتى يترسخ في الأذهان بشدة أن بديل النظام هو هذا التوحش والتغابي، كما لو أن النظام يوزع الورود ويقصف الناس ببراميل الحب والسلام، وليس بالصواريخ الفراغية، والراجمات، وكما لو أنه يجب عليك دوليا  أن تكتب على باب الدكان: “علماني ديموقراطي”؛ حتى يتحالف معك العالم/ وهم يعلمون جيدا أنك ديكتاتور في أبشع صوره وتصرفاته، وأنك لست على مسافه واحدة ممن تحكمهم، ولا أقول: مواطنيك؛ لأن الديكتاتورلا يمثل الوطن أبدا، لكن الديكتاتور يمثل الأمم المتحدة (على الضعفاء)، فهو صمام الأمان من أن تعي الشعوب وتنهض وتصبح قوية، ولعلنا لا ننسى تصريح السيدة مادلين أولبرايت عام 2000 بعد صعود بشار الأسد إلى السلطة حيث أشادت بالانتقال السلس والهادئ والمنظم للسلطة في سوريا، وأعلنت في عقب لقائها مع بشار الأسد أنها لمست منه بوادر مشجعة إزاء السلام في المنطقة، رغم أنه نظام عائلاتي قمعي ديكتاتوري ومخالف لكل شروط الدولة التى ينادي بها الغرب – زورا بيننا – لكنها المصلحة ثم المصلحة ثم المصلحة.

سيحاولون دائما إيهامكم أن ثورتكم لما تسلحت كانت السبب فيما جرى لكم، رغم أن الثورة ما تسلحت إلا لما سلخ النظام سلميتها بجرائمه التى لم يسلم منها حتى البهائم العجماوات، والتى لم تهتف يوما بمطلب أو شكوى ـ كواقعة الحمير الشهيرة ـ وهم يعلمون يقينا أن الثورة ما تسلحت إلا بعد نداء النظام  على حلفائه : خذوا المراسي والكراسي واعطوني لقب.

واعلموا أن النظام لا يهتم ولا يعول على اتفاق، ولن يصونه، لا هو ولا الضامنين الدوليين، بل لن يساوي أي اتفاق مع النظام حتى ثمن الحبر والورق الذي كتب به؛  فأنت لا تجرى عهدا عمريا أو عهد مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى تضمن أنه سينفذ.  إنك تبرم عقدا أبرمه الروس من قبل في الشيشان، ثم انتهك كأن لم يكن، حتى إن القوات الروسية نفذت علنا قصفا جويا ثقيلا في الشيشان يوم 11 ديسمبر 1994، بعد خمسة أيام من موافقة جوهر دوداييف ـ الرئيس الشيشاني ـ و وزير الدفاع الروسي الجنرال بافل غراتشيف على ” تجنب استخدام مزيد من القوة ”  ثم  دخلت القوات الروسية في الجمهورية بزعم  “إقامة النظام الدستوري في الشيشان والحفاظ على وحدة أراضي روسيا”.

والنظام المقبول دوليا في سوريا  هو كما عبر كيري ولافروف رغم أن الشعب هو من يفترض أن يحدد مصيره وفق أدبيات تلك الدول رغم أن بشار ومن قبله أباه مرورا بناصر ومبارك وهتلر وستالين وماو كانوا علمانيين، ومن يقف فى وجه علمنة الدولة سيسحق، ورغم أنهم يشيعون كذبا أن الإسلام فرض نفسه بين الناس إجبارا بقوة السلاح، لكن لا بأس بهذا مع العلمانية؛ فالعلمنة بعد قصف الصواريخ لها طعم آخر! والرئيس العلماني “العميل” سيبقى ويساند حتى لو أصابه الشلل أو ارتكب المجازر أو صار يحكمنا من قبره، اللهم إلا لعبة تغيير الحليف وتبديل الدمى التي تبدي تنازلا  أكبر من سابقتها أو التى لم تعد صالحة للمرحلة الجديدة كما حدث مع رؤساء أفغانستان قبل أن يبدأ الجهاد الأفغاني بعد دخول السوفيت إليهم نصرة لحلفائهم في الداخل والذي كان أخرهم بابراك كارمل  الذي جاء فوق دبابة سوفيتية  قادما من براغ، وخرج لاجئا إلى السفارات، حتى أخرجه السوفيت وعاش بعدها  في موسكو.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد