أقض مضاجعنا وسلب رقادنا صورة الطفل الغريق هناك على شاطئ “بودروم”  في تركيا، ربما حتى وضعية “غيلان” وهو منكفئ على وجهه على الشاطئ بزيه الطفولي ذي اللونين الأحمر والأزرق وشعره الناعم وبشرته البيضاء ممددة يداه بجوار جسده، موجهًا نعلاه نحو أعيننا، تلك الوضعية التى وصلتنا بها صورته غريقـًا على شاطئ اليم هزت مشاعر الجميع، صورة غيلان حرمت غالب أخاه وأمه ريحان أن يكون لهما نفس الدرجة من الاهتمام.

 

وفي خضم الألم الذي نشعر به جميعًا، وفي غمرة ما ينتابنا من وجع على مصير تلك الأسرة الحزين ولوعة الأب المكلوم،

 

لماذا لا نسمى الأشياء بمسمياتها؟ ولماذا نبقى دائمًا طوع الإعلام المسموم الذي تهيمن عليه السعودية بما تدفع من أموال طائلة للترويج للباطل الذى تتبناه وتسعى إليه.

 

لذا فقد وجهت هذا السؤال: هل يهرب السوريون من حكم بشار الأسد؟

 

يجيب على ذلك الإعلام (الغربي) الذي لم تصل إليه يد الإفساد؛ فقد نشرت شبكة (CNBC) وهي متخصصة بالأخبار الاقتصادية تقريرًا يتناول بإيجاز الأوضاع الاقتصادية في سوريا  قبيل الأحداث التي اندلعت في آذار – مارس عام 2011 ، وقد أظهر التقرير أن سوريا – المصنفة أكثر أمانـًا في المنطقة – تخطو بثقة نحو تحقيق تنمية شاملة وقد بُني ذلك التصنيف على عدة حقائق اُجملت كالتالي:

 

  • بلغ عدد المدارس فى عام 2010 حوالى 21 ألف مدرسة (تسببت الأحداث في تدمير 7000 مدرسة حتى الآن واستخدمت مدارس أخرى كقواعد للأعمال الإرهابية) هناك حوالي ثلاثة ملايين طفل سوري لا يذهبون إلى المدرسة.
  • بلغت نسبة الأمية 5% ( بعد أن كانت تبلغ 70% عام 1970).
  • كان قطاع الأدوية السوري يغطي 90% من الاحتياج المحلي ويصدر إلى 54 دولة أخرى توقف تمامًا بسبب الحرب.
  • تضاءل معدل البطالة ليصل إلى 8.4 وبلغت نسب تشغيل العمالة أعلى معدلات في المنطقة (بلغت نسبة تشغيل العمالة في حلب 94%) . حاليًا تم تدمير عدد 113 ألف منشأة صناعية منها 35 ألف منشأة في حلب، وتشير المعلومات المتاحة إلى فقد 33 مليون وظيفة، مما يشير إلى أن نصف القوى العاملة عاطلة عن العمل.
  • الناتج المحلي السوري في 2010 تجاوز الـ 64 مليار دولار بلغت مساهمة الحكومة في الناتج المحلي 22% . اعتمادًا على البيانات الأخيرة المتاحة خسرالاقتصاد السوري ما مجموعه 84.4 مليار دولار خلال العامين الأولين من الحرب، وأكثر من نصف السكان يعيشون في فقر.
  • حل القطاع النفطي السوري في المرتبة 27 من حيث حجم الإنتاج عالميًا، حيث تجاوز الإنتاج ما مقداره 400 ألف برميل يوميًا وبلغت الإيرادات النفطية 7% من إجمالي الناتج المحلي.
  • بلغ إنتاج سوريا من الكهرباء 46 مليار وات بما كفل تغطية كاملة للاحتياج المحلي وضمن تصدير الفائض من الكهرباء إلى لبنان.
  • قامت الدولة بتقديم رعاية صحية للمواطنين مجانية بواقع مركز طبي لكل 10 آلاف نسمة في الريف، ومركز طبي لكل 20 ألف في المدينة.

 

وقد تسببت الأحداث إلى نزوح ما يقدر بحوالي 9 مليون سوري داخل البلاد جراء الإرهاب، وحوالى 2.5 مليون هربوا إلى خارج البلاد.

 

من يحارب في سوريا؟

لا يمكن القول إن النظام الذي صمد خمس سنوات في وجه الحرب والإرهاب المدعوم دوليًّا مستمر إلى الآن بدون وجود ظهير شعبي قوي؛ فالنظام يحارب دفاعًا عن شرعيته، وعن الظهير الشعبي الذي يؤيده.

 

وحينما تعرضت سوريا لما هب على المنطقة من رياح التغيير بمسمى الربيع العربى ثارت المعارضة، ولكن أين هي الآن؟

 

يقول “آرام نركيزيان” المحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: “معظم المعتدلين ليسوا في سوريا الآن“.

 

فمن يقود الحرب إذن ضد النظام ولحساب من؟ هم ما يعرف باسم الدولة الإسلامية وتنظيماتها والمكونة بالأساس من أجانب عن المنطقة، هؤلاء صنيعة الفكر الوهابي الذي صدرته السعودية إلى كل مسلمي العالم، وهم كذلك من ينفذون الآن الأجندة السعودية المعلنة والتي عنوانها إسقاط نظام الأسد، أمريكا وإسرائيل وتركيا وقطر كذلك يقفون وراء الساعون لهدم الدولة في سوريا.

 

ولأننا بصدد البحث عن إجابة عن السؤال المطروح، هل يهرب السوريون من الأسد؟ هل يهربون من النظام؟

 

فالإجابة بالطبع لا، فمجمل الأوضاع ما قبل آذار – مارس 2010 تؤكد أن سوريا كانت موطنـًا آمنـًا، وأن وضعها الاقتصادي والمعيشي لم يكن بالسوء الذي يجعل مواطنيها يهربون منها إلى البحر!

 

عادت الجثث الآن إلى كوباني (عين العرب) موطن عيلان وأخيه غالب وأمه ريحانة، أصر عبد الله الكردي رب الأسرة المكلوم أن يعود بجثثهم إلى هناك.

 

بدافع من وطنيته ربما أراد أن يكون مستقرهم في الأرض التي ولدتهم، وربما ليجيب على سؤال البعض هل فرارك من سوريا بسبب الأسد؟ أم بسبب ما تعرضت له كوباني من دمار وقتل واستباحة أعراض على يد تنظيم “الدولة الإسلامية”؟!!

 

كوباني (عين العرب) التي كان النظام السوري قد انسحب منها تحت ضغط الحرب في يوليو 2012، التي نشب فيها صراع مسلح بين وحدات حماية الشعب الكردية التي كانت تدافع عن المدينة وداعش، وقد تعرضت المدينة للتدمير الشامل إما بفعل إجرام داعش، أو بفعل غارات التحالف الدولي مما اضطر أغلب سكانها إلى الفرار نحو تركيا القريبة منها.

 

استمر ذلك الجحيم أربعة أشهر، ودمرت الحرب حوالي ثلاثة آلاف منزل وامتلأت الشوارع بالأنقاض، وخلفت الحرب مئات القتلى وشيدت عدة مقابر جديدة لدفن القتلى.

 

يقول الصحفي الكندي “تيري جلافين” الذي تكلم مع شقيقة عبدالله في فانكوفر إنه (أي عبد الله) كان قد اختطف أثناء حصار تنظيم “الدولة الاسلامية” لعين العرب (كوباني) في وقت سابق من العام الحالي، وإن الخاطفين نزعوا كل أسنانه، وإنه تمكن في آخر المطاف من الهرب مع أسرته إلى تركيا، ولكنهم واجهوا صعوبات في المغادرة لصعوبة حصولهم على تأشيرات.

 

إذن لم يكن عبد الله وأسرته التي غرقت في البحر ضحايا لنظام (الأسد) كما يروج قاصرو النظر أو الإعلاميون المدعومون بأموال الوهابية، بل العكس هو الصحيح فلو كانت السعودية لم تحرض على النظام وتدعم معارضيه، لو كانت أمريكا وإسرائيل قد كفوا أيديهم عن سوريا، لو كانت قطر وتركيا قد انتهوا عن إشعالهم لنيران التمرد ضد النظام في سوريا، ما كان عبد الله وأسرته لقد لقوا هذا المصير.

 

كان بوتن أشد فهمًا بل هو أكثر شجاعة حينما صرح تعقيبًا على الحادث المأساوي لوكالة الأناضول قائلاً: السوريون لا يهربون من بلادهم بسبب الأسد

 

قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الذين ينزحون من سوريا، لا يفعلون ذلك هربًا من نظام بشار الأسد، بل هربًا من إرهاب تنظيم داعش.

 

وأضاف بوتين في كلمته له أمام منتدى الشرق الاقتصادي، في مدينة فلاديفستوك الروسية، أنهم “يعلمون أن هناك أسبابًا مختلفة وراء اندلاع النزاع المستمر في سوريا، منذ ما يزيد عن أربعة أعوام، إلا أن الهاربين يفعلون ذلك ليس بسبب نظام الأسد، بل خوفـًا من بطش إرهابيي داعش، الذين استولوا على أجزاء واسعة من سوريا والعراق، ويرتكبون أبشع المجازر”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات