منذ أن سالت دماء السوريين على أرضهم الطاهرة، وذُبح أطفالهم بسكاكين الطائفية التي لم يعرفوها، وهُجّروا من ديارهم قسرًا وقهرًا، وأنا على يقين أن كل ما يحيط بالسوري هو ضدّه، ولم يقف في صفه وقوفًا حقًّا إلا القلة القليلة، وحتى هذه القلّة لم تكن بحجم معاناة شعب أعزل مقهور مهجّر منكّل به في كل زمان ومكان.

عندما توافد السوريون من شتى مدنهم إلى تركيا يبحثون عن ملجأ من الظلم، يريدون أن يلتقطوا أنفاسهم بعيدًا عن السارين والكلور، لكنهم وفي ديار أصدقائهم وأخوتهم ما زالوا يعانون من مشاكل عدة، وما زالت العثرات أمامهم ومن خلفهم، والمؤسف أن تكون أكبر عثرة يواجهونها هي بطاقة من المفترض أنها لحمايتهم؛ بطاقة الحماية المؤقتة «الكمليك».

تصدر دوائر الأمنيات في الولايات التركية منذ بدء تدفق السوريين المهجّرين إليها بطاقة تعريفية بهم؛ اسمها بطاقة الحماية المؤقتة، والمتعارف عليها بين السوريين باسمهما التركي kimlik أي (البطاقة الشخصية)، والتي تخولهم التحرك بحرية داخل الولايات التركية، والسفر في المطار بين الولايات، كما تمنحهم حق العلاج في المشافي الحكومية، وللطلاب حق التعلم إن كان في المدارس التركية، أو السورية، أو العربية، أو الجامعات الحكومية والخاصة، كما تعتمد الجمعيات والمنظمات الإغاثية هذا الكمليك وثيقة تعريف تخوّل لصاحبها الحصول على المساعدات إن كان مستحقًا لها، وخاصةً مساعدات الهلال الأحمر التركي والمعونة الشتوية.

منذ عام 2015 زادت معاناة السوريين بسبب الفساد الذي رافق إصدار هذه الوثيقة؛ فصارت شُعب الأمنيات وخاصة في أسطنبول لا يمكن الحصول منها على الكمليك إلا بشقّ الأنفس (تحتاج إلى التسجيل ثم مراجعة المخفر بعد ستة أو سبعة أشهر ثم البصم وبعدها بثلاثة أو أربعة أشهر تحصل على الوثيقة التي تبدأ بالرقم 98 «وهي أقل فائدة من الكمليك لأنها لا تتيح للسوري أن يدخل المدارس أو المشافي بها، أو أن يسجل الفقير منهم على معونة أو مساعدة، فهي لا تتجاوز كونها وثيقة تعريف فقط»، أما الكمليك الذي يبدأ بالرقم 99 فيحتاج إلى سيناريو أكثر تعقيدًا، وإلى الوقوف بالطوابير أمام شعبة الأجانب.

أيضًا من مشاكل الكمليك أنّ من يخرج من تركيا عبر معبر نظامي بري أو بحري يضطر لتسليم الكمليك، وإن عاد ثانية عن طريق التهريب لن يُعطى حق الحماية المؤقتة فهو محروم منها لمدة 5 سنوات من تاريخ خروجه من تركيا بشكل نظامي.

هذه الثغرة بالذات وقع فيها الكثير من السوريين عن طريق الخطأ أو الجهل بالقوانين التركية، فالكثير منهم قدم بدايةً لتأسيس وضعه، ثم عاد ليجلب زوجته أو أهله، أو ربما اضطر للعودة من أجل عيادة أب مريض، أو حضور جنازة أمه المتوفاة، أو ربما ليأخذ وثائق شخصية بقيت عند جيرانه بعد قصفه وهو في الغربة، ولأسباب أخرى لا يتسع المجال لذكرها، وعند عودته إلى تركيا يتفاجأ بأنه محروم من الكمليك؛ وقد وقفتُ على عدد كبير من هذه القضايا مما يندى له الجبين، وتشيب منه مفارق الجنين.

والذي زاد الطين بلّة امتناع ولاية إسطنبول عن إصدار وثائق جديدة للسوريين بدعوى اكتظاظ الولاية بأعداد كبيرة من السوريين مقارنة بالولايات الأخرى، وقام البوليس التركي بملاحقة عشرات الشباب السوريين غير الحاصلين على الكمليك أو حصلوا عليه من ولايات أخرى، مما جعل الكمليك كابوسًا حقيقيًّا لهم.

طبعًا لا يغفل عن عين الحكومة التركية أن مثل هذه الحملات، مهما بلغت، فلن تحدّ من وجود السوريين الكبير في أسطنبول، فلا يستطيع الزوج أن يعيش بعيدًا عن زوجه وعائلته، وليس من المنطقي أن تهجّر عائلة جلّها من النساء كادت أمواج البحر أن تغرقهن، وهنّ الآن يلملمن بقايا تراكمات أزمة نفسية، ويحاولن العودة للحياة الطبيعية والدراسة، فيتفاجأن بأنه لا يسمح لهن بالبقاء هنا، وعليهن اختيار أي ولاية أخرى، أو البقاء في حالة ذعر وخوف من الترحيل القسري.

ربما يتذرع من أصدر القرار الذي أربك آلاف السوريين بأن إسطنبول لم تعد تحتمل زيادة من الأجانب، وهذا خلط واضح وقلة نظر، فإن السوريين ليسوا عبئًا إنما وجودهم كسر حاجز اللغة عند المستثمرين العرب وخاصة الخليجيين الذين زادت استثماراتهم وسياحتهم ومبيعاتهم داخل إسطنبول، بسبب وجود المترجم السوري الوسيط، بل زادت المدارس العربية والدولية، وزادت المحال والمطاعم والمؤسسات العربية، والتي وفرت فرص عمل لكثير من العمالة التركية وغير التركية، بل إن المعارض العربية والفعاليات الثقافية والفنية والسياحية والدينية ما لاقت رواجًا إلا بدخول السوريين إلى إسطنبول.

ومنعًا للإطالة لعلّي أكتب لاحقًا عن هذا الموضوع من جوانب أخرى، لم يسعفنا المجال لذكرها هنا، وأختم برسالة إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، والمقبل على انتخابات رئاسية وبرلمانية نتمنى له ولتركيا الخير فيها: لقد أسعدنا أن اعتبرتم أنفسكم أنصارًا لأخوتكم السوريين المهجّرين، ولقد أبهرتنا التنمية التي ملأت أزقة وجنبات بلادكم، فلا نريد منكم إلا أن نرى العدالة التي هي الجزء المكمل لتنميتكم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد