ما زال السوريون في تركيا وخلال كل حملة وهاشتاغ ضدهم يرتفع عندهم صوت الفيسبوك في نقل وتحليل ما يجري، حتى أنهم يتناقلون الحملة أكثر من الأتراك أنفسهم، ويرفعون هم لا الأتراك الهاشتاغ إلى الترند العالمي دون أن يشعرون.

وأبرز ما يتم تداوله هو دائمًا اتهام المعارضة بالحملات الممنهجة، وإبراز كل من ينزل إلى الشارع تكسيرًا وتهديدًا بأنه شخص من المعارضة التركية، طبعًا المعارضة لها دور في ذلك، ولكن قوة المعارضة شعبيًا وإعلاميًا ليست بالدرجة التي تستطيع التأثير على الرأي العام وتحريكه بهذا الشكل.

جذور هذه التحركات تكمن بداية في طبيعة الشعب التركي، وثانيًا في استغلال الأحزاب السياسية (حاكمة ومعارضة) للوجود السوري في أحاديثها الانتخابية وغير الانتخابية.

طبيعة الشعب التركي وخلال قرن ماض كان شعبًا منغلقًا متعصبًا لنفسه، تسيطر عليه فكرة أنه تم خيانته من أبناء دينه، ومن جميع الدول القريبة والبعيدة، شعب اعتمد على نفسه، وحارب لنيل استقلاله وصناعة جمهوريته، شعب هو وريث أكبر إمبراطورية في التاريخ، أحب قوميته، واعتز بها، فنشأت عنده النفور من الأغيار وعقدة اليابانجي (الغريب)، فهو لا يحب ولا يتقن أي لغة أخرى، ونادرًا ما يسافر خارج تركيا، لا يطلع على أي وسيلة إعلامية أجنبية، ولا يرتاح لوجوه الغرباء.

وكان الدور الأساسي للإعلام في تحريك هذا العداء والإعلام الموالي للحكومة أكثر من المعارضة.

فمنذ البداية كانت المتاجرة بالوجود السوري على الأراضي التركية من السياسيين والأحزاب والحكومة، كل بطريقته وكان لتصريحات المسؤولين الأتراك ووسائل إعلامهم الجانب الأهم في خلق نظرية العداء، من خلال ما يدبجه من خطب يومية أن الحكومة صرفت مليارات الدولارات على السوريين، وأن السوريين يقبضون رواتب شهرية، وأن الكهرباء والماء مجانًا، عدا عن العلاج والدواء مجانًا، وكله من جيب الحكومة، حيث استخدام فعل «صرفنا» بشكل دائم، والمواطن التركي مع ارتفاع نسب التضخم والغلاء والبطالة، لن يكون سعيدًا بهكذا أمور، ولن يقبل بحدة الغاضب أن تصرف حكومته على الغريب وهو يعاني الغلاء والبطالة.

عمومًا ما تم صرفه على السوريين هو مسدد من الاتحاد الأوربي والدول والمنظمات المانحة، وبالعكس فإن الاقتصاد التركي استفاد من الوجود السوري، من خلال هذه المنح التي بلغت مليارات الدولارات، التي وصلتْ خزينتها، ثم صرفت في أسواقها، عدا عن رجال الأعمال السوريين واستثماراتهم، وتحريك السوق، وهو ما تشهد به الكثير من المدن الحدودية الصغيرة في الجنوب والتي نهضت وانتعشت أسواقها منذ سكنها السوريون.

وكانت الدعاية الحكومية الأكثر إثارة للشارع التركي، هو نظرية أن الجيش التركي يقاتل في سوريا لإحلال السلام وعودة السوريين إلى بلادهم، وحتى مسلسلاتهم وأفلامهم كرستْ كثيرًا هذه الفكرة، وكيف أن الجنود الأتراك يُقتلون من أجل السوريين، وهو ما زاد كثيرًا من احتقان الشارع، خصوصًا عندما يشاهدون أي مشهد لشخص سوري في مكان عام، أو منتزه أو شاطئ أو حفل عرس أو غيرها من المظاهر، لتثور في داخلهِ حفيظة أنّ الشباب التركي يقاتل ويموت في سوريا، والشباب السوري في تركيا في سياحة واحتفالات.

طبعًا رغم دخول القوات التركية إلى سوريا إلا أن من يقاتل ويستشهد هم سوريون من فصائل المعارضة المسلحة الموالية لتركيا، والجيش التركية في مواقع خلفية يتولى الدعم والتخطيط، وهذه القوات تدخلتْ في سوريا لحسابات سياسية بحتة، ودفاعًا عن الأمن القومي التركي، وليس كما تذيع الحكومة في خطبها: دفاعًا عن السوريين وجلب الأمان لهم.

هذه الدعايات (وأغلبها كما ذكرنا حكومية) استغلتها المعارضة في حملاتها، فلم تكن أبعادها توترات ومشاكل عنصرية بين الأتراك والسوريين، وإنما امتدت لتكون لها نتائج سياسية، من خلال امتعاض الناخب التركي من سياسة الحكومة تجاه هذه القضية، وبدأت تظهر في نتائج الصناديق الانتخابية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد