شعوب ما زالت تضحي بأرواح أبنائها ثائرة مطالبة بحرية مسلوبة، وقامات انتفضت في وجه الظالمين نرى في عيون أطفالهم كفرًا بطواغيت مستبدين.

فما كان لهذه الشعوب من خيار إلا الخروج على من نهب خيرات بلادهم لاستعادة الحقوق وما كانت هذه السنوات التي تلت الثورات العربية بعد تحرك أغلب شعوبها إلا لتكشف الكثير من حقائق الاستعمار الاقتصادي وحجم الثروات المنسية أو المنهوبة.

الثورة السورية كانت ومازالت هي العقدة التي تكشف الوجه الحقيقي للاستعمار الاقتصادي، الذي تكالب عليه جميع مستعمري الدول الكبار والإقليميين، فثروات كالنفط، والغاز، والفوسفات، والتي كانت كميات إنتاجها واحتياطياتها طي الكتمان، وخارج الموازنة الحكومية لأكثر من 40 عامًا من حكم عائلة الأسد، نراها اليوم محط أطماع أقوى دول العالم لتعلن أنها باقية من أجلها، فما سر هذا الإصرار والتدخل والاستعمار.

تعتبر المناطق التي تسيطر عليها كل من القوات الأمريكية ووحدات حماية الشعب الكردية الانفصالية المدعومة أمريكيًا هي من أغنى المناطق بالنفط على مستوى سوريا التي يكمن في باطن أراضيها ومياهها الإقليمية احتياطيات هائلة من النفط تقدر ب 0.14٪ على المستوى العالمي حسب بعض التقديرات، والنسبة الأكبر من هذه الاحتياطيات موجودة في المناطق الشمالية الشرقية والشرقية من الجغرافيا السورية، وفي ظل السياسة الأمريكية التي يترأسها ترامب وبحسب تصريحاته أن أمريكا خلال فترة رئاسته غير مستعدة لإرسال جندي واحد خارج أراضيها دون جدوى اقتصادية تعود على الخزانة الأمريكية بالنفع الكبير، يمكن أن نستقي من تلك السياسة حجم النفط الحقيقي الموجود في شرق الفرات غير المعلن لا من قبل النظام السوري، ولا من قبل المؤسسات الدولية، وليبقى الحجم الحقيقي من النفط الموجود في سوريا ضمن المحتلين الجدد خلال الفترة الحالية.

والجدير بالذكر أن المنطقة السابقة تصل إقليم كردستان العراق وإيران، الغنيين بالنفط، بتركيا والغرب بأكمله، أي أن النفط ليس المطمع الوحيد للولايات المتحدة، وإنما الموقع الجغرافي الحساس لنقل الذهب الأسود على مستوى منطقة الشرق الأوسط.

أما عن روسيا وامتلاكها أكبر كمية من الغاز الطبيعي عالميًا والذي يقدر بحسب موقع هيدروكاربونز تيكنولوجي بحوالي 1.688 تريليون قدم مكعب بشكل مؤكد أي ما يمثل ربع إجمالي احتياطيات الغاز المؤكدة على مستوى العالم، فإن كل تلك الاحتياطيات الضخمة لم تلجم الطمع والجشع الروسي للهيمنة بالمرتبة الاولى على الغاز الموجود في سوريا والتمتع بحقوق حصرية تفوق الاتفاقيات المعلنة بين النظام السوري وحليفه الروسي بكثير والتي تتضمن إعادة تأهيل منصات الحفر والبنية التحتية التالفة والتنقيب على آبار جديدة ليس في الأراضي السورية الخاضعة لسيطرتها وحسب، وإنما في المياه الإقليمية السورية في البحر المتوسط، البحر الذي يحتوي على كميات ضخمة جدًا من الغاز الطبيعي تقدر بـ122 تريليون قدم مكعب على أقل تقدير بحسب هيئة المساحة والجيولوجية الأمريكية.

ولم تتوقف الأطماع الروسية عند الغاز السوري وحصولها على امتيازات مختلفة بشأنه تمتد لعشرات السنين، وإنما أيضًا الفوسفات الموجود في سوريا كان هدفًا روسيا للسيطرة عليه، واستخراجه وبيعه في السوق العالمي، والذي يمكن أن يستخرج منه اليورانيوم المشع وبنسب مرتفعة مقارنة بغيره من أنواع الفوسفات، حتى أن القوات الروسية زاحمت المليشيات الإيرانية وأخرجتها من المناطق الغنية بهذه الثروة فهذه المناطق السورية تحتوي على نسب احتياطيات عالمية كبيرة من الفوسفات، وتعتبر سوريا ثاني أكبر احتياطي عربي بعد المغرب، وخلال السنة الماضية تواترت الأنباء بتصدير ما تم إنتاجه من الفوسفات السوري من قبل الروس إلى أوروبا عن طريق لبنان ووسطاء آخرين في ظل العقوبات المفروضة على النظام السوري، وقد أعلن النظام السوري منذ سنتين عن استيراد الفوسفات من الخارج؛ لتصبح بذلك ثروات السوريين ملكًا للمستعمرين الذين يقومون بتصديرها للخارج دون استفادة أصحاب الأرض منها.

ومن جهة أخرى تعتبر روسيا المصدر الأول للاتحاد الأوروبي للفوسفات، وتعتبر رابع أكبر دولة منتجة للفوسفات عالميًا، وتضم أيضًا احتياطيات لا يستهان بها من الفوسفات على مستوى العالم.

وعن الموقع التجاري في سوريا نستطيع أن نقول أنها الشريان الحيوي الذي يربط دول المنطقة ببعضها: من لبنان، والأردن، إلى تركيا، والعراق، وأنها طريق دولي يصل بين شرق آسيا بأوروبا، ولعل القصف الأخير الذي يطال المنطقة الشمالية الهدف منه هو إكمال السيطرة على الطرق الدولية الرئيسة في سوريا.

وعن الزراعة في سوريا فقد شكلت 17.6٪ من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2010، بمساحة تعادل ثلث مساحة سوريا 7٪ فقط غير مستغلة، وكانت تشكل صادراتها 30٪ من الصادرات السورية، وفي ظل الحرب التي أشعلها النظام السوري في كل مناطق سوريا ضد شعبه الثائر، ودعوة النظام، وفتح الأبواب أمام الأطراف المتعددة للتدخل لقمع الثورة السورية، وحرق آلاف المحاصيل الزراعية من قبله بشكل ممنهج؛ ليتمكن من شراء القمح من الحليف الروسي، وفرضه كأمر واقع على السوريين والخزينة السورية، وعقده الاتفاقيات مع الحليف الإيراني لاستصلاح الأراضي الزراعية وتملكها، تحولت سوريا بذلك من دولة منتجة ومصدرة لمادة القمح إلى دولة مستوردة له، وبالطبع روسيا هي التي تصدر للنظام ما يحتاجه من قمح وغيره، وبأسعار تحددها هي، فحجم الضرر المقدر لسلة الغذاء السورية وصل لأكثر من 16 مليار دولار خلال الست سنوات الأولى من الحرب بحسب تقارير «منظمة الفاو» بعدما كانت صاحبة الأكتفاء الذاتي غذائيًا.

أما رأس المال البشري السوري، والذي يحظى باهتمام كبير من قبل دول العالم المتقدمة، فبعض السوريين كانوا يقدمون ابتكارات مجدية كان يمكن أن تساهم في رفع الاقتصاد السوري بشكل كبير، إلا أن النظام السوري أبى أن يستفيد منها، فكان يهملها حينًا، أو يقوم بإعدام أصحابها، أو اعتقالهم حينًا آخر، مستفيدًا من العقود التي كانت تبرم مع الدول الداعمة له والعمولات الضخمة التي كان يتقاضاها رجاله، والتي كانت وما زالت توضع في حساباتهم البنكية في الخارج.

فإلى متى ستبقى هذه الثروات والموارد في أيدي الحكام الخائنين وعصابات السلطة الذين يقدمونها هبة للمستعمرين والطامعين من أجل البقاء في حكمهم الغاشم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد