على المسرح الدولي يوجد هناك العديد من العلاقات والتكتلات الدولية، وهذه العلاقات تكون ما بين عداء واتفاق، فمنها الحديث ومنها من له خلفية تاريخية ومن هذه العلاقات التي هي حديث الساعة على المسرح الدولي، تبني روسيا لقضية سوريا وخلق مشادات سياسية ما بين التكتل الأمريكي والتكتل الروسي على الساحة السورية، فيحسب البعض أن تبني روسيا لسوريا أمر حديثًا، ولكن في الحقيقة هو تبن ذو طابع تاريخي، فقد بدأت العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وسوريا في منتصف العقد الخامس من القرن العشرين، حيث أيد الاتحاد السوفيتي استقلال سوريا من الاحتلال الفرنسي، وكان الاتحاد السوفيتي هو أول من اعترف باستقلال سوريا عام 1946م، فكانت هذه بداية العلاقات بين سوريا والاتحاد السوفيتي، ولكن هذه العلاقات لم تأخذ الإطار الجيد في التعاون، وذلك بسبب اعتراف الاتحاد السوفيتي بإسرائيل مما جعل العلاقات في حالة ركود إلى حين الإطاحة بحكم أديب الشيشكلي في 25 فبراير (شباط) 1954م.

تولى بعد ذلك الرئيس شكري القوتلي، حيث إن مع تولي الرئيس الجديد، بدأت العلاقات بين سوريا والاتحاد السوفيتي تتطور نحو الأفضل، فقد تم رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى سفارة، وتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين الطرفين، ولكن سرعان ما بدأت هذه العلاقات بالتقلص بسبب إعلان الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958م، حيث إن هذا القرار غير مرغوب فيه بالنسبة للاتحاد السوفيتي واستمر ركود العلاقات بين الطرفين إلى حين حدوث انقلاب من قبل البعثيين، أطاح الانقلاب الرئيس شكري القوتلي وجاء بالرئيس نور الدين الأتاسي في 8 مارس 1963م ومن هنا بدأ عهدًا جديدًا من العلاقات بين الاتحاد السوفيتي وسوريا، حيث إن الأتاسي أجرى العديد من الزيارات للاتحاد السوفيتي من أجل توطيد العلاقات وإبرام اتفاقيات ومشاريع عسكرية واقتصادية وفنية.

وقد كان هناك العديد من المواقف السوفيتية المؤيدة لسوريا والعرب فيما حدث عام 1967م في الجولان وفلسطين، ومن أبرزها دعم العرب للوقوف ضد إسرائيل، كما عمل الاتحاد السوفيتي على إصدار العديد من البيانات التي تطلب فيها من إسرائيل وقف عدوانها والتحذير من الاستمرار في ذلك، كما وطالب أيضًا بالاستجابة لقرار مجلس الامن بوقف إطلاق النار.

بقيت العلاقات السوفيتية السورية تتحسن وتتطور، وقد تم عقد الكثير من الصفقات والاتفاقيات في شتى المجالات، واستمرت في التطور إلى حين انهيار الاتحاد السوفيتي على أعقاب الحرب الباردة، وتحول العالم على إثر ذلك من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، وأصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تشكل القوى العظمى في العالم حسب مؤشرات القوة الشاملة.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حلة روسيا الاتحادية محل الاتحاد السوفيتي بصفتها الوريث الوحيد له، وعمله فيما بعد على استعادة العلاقات مع الدول الحليفة في الوطن العربي وهي سوريا والعراق وليبيا، حيث كان لهذه الدول الكثير من التعاونات العسكرية والاقتصادية والفنية وغيرها، عملت أمريكا بعد ذلك على تجريد روسيا من حلفائها في الوطن العربي، فقد شنت حربًا على العراق وأطاحت الرئيس صدام حسين، هذا كان من شأنه فقدان روسيا لأحد حلفائها الأساسيين وتضييق الخناق عليها، فلم يبق وجود لروسيا بعد ذلك سوى في سوريا، حيث تحتوي سوريا على قاعدة طرطوس، وهي قاعدة عسكرية روسية في ميناء طرطوس، تم توقيع اتفاقيتها في عام 1971م وكانت تعتبر هذه القاعدة المركز للأسطول البحري السوفيتي، أما الآن هي موطئ القدم العسكري الوحيد لروسيا في المنطقة، ووجود هذه القاعدة يحقق أهدافًا استراتيجية بالنسبة لروسيا، حيث إن وجودها وما يتبعها من القطع الحربية التي تجوب البحر الأبيض المتوسط، والذي هو العمق الاستراتيجي للمحيط الأطلسي يخلق نوعًا من توازن القوى بين روسيا وأمريكا.

تسعى روسيا إلى استعادة مكانتها وهيمنة الاتحاد السوفيتي باعتباره منافسًا لأمريكا، عن طريق تواجدها في سوريا والبحر المتوسط المطل على العديد من دول آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقد عقدت روسيا اتفاقيات ومعاهدات تتمكن من خلالها من البقاء والمحافظة على القاعدة البحرية.

إن ما يوجد في قاعدة طرطوس من سفن حربية وغواصات وحاملات طائرات ما هي إلا مؤشر على تمسك روسيا بالقاعدة العسكرية البحرية، وهذه من أهم الأسباب التي تجعل من سوريا صاحبة مكانة في السياسة الخارجية الروسية.

ومن الأسباب التي تدفع روسيا لتمسك في سوريا العلاقات الاقتصادية وصفقات بيع الأسلحة، حيث إن سوريا تشتري 10% من إجمالي صادرات الأسلحة الروسية ويشكل السلاح الروسي 90% من السلاح الذي تمتلكه سوريا، فقد بلغت قيمة الصادرات العسكرية من روسيا إلى سوريا في الفترة ما بين عام 1950م و1990م حوالي 3.4 مليار دولار حسب إحصائيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في السويد، وتضم هذه الصادرات طائرات ومنظومات دفاعية جوية ومنظومات صاروخية مضادة للسفن والعديد من الأسلحة الأخرى.

كانت هذه أهم الدوافع لتمسك روسيا بسوريا، والتي جعلت للأخيرة حيزًا كبيرًا في السياسة الخارجية الروسية، باختصار روسيا تعتبر وجودها في سوريا هي مسألة إثبات وجود واسترداد مكانتها على المسرح الدولي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1) العنبر ،مالك ،2017 ،الأزمة السورية وفاعلية الدور الروسي تجاهها 2011 -2017 ،رسالة ماجستير ،جامعة آل البيت ،المفرق
2) الزعاترة ، ياسر ، 31 يوليو 2013 ،”لماذا يقف بوتين وراء بشار ” صحيفة الدستور ، الشركة الاردنية للصحافة والنشر
3) ألشيمي ، أحمد، 2012 ،”سوريا بين الدعم العسكري الروسي وضعف قدرات الثوار ” ، مركز الشرق الأوسط العربي للدراسات الحضارية والإستراتيجية ، المملكة المتحدة، لندن .
4) هيكل، حسنين ، 2002 ، نهاية الطريق : العربي التائه ،ط1، الشركة المصرية للنشر العربي والدولي , القاهرة .
5) منسي ، محمود ، 1990 ، الشرق الأوسط المعاصر ، ط1 ،مكتبة الإسكندرية ، القاهرة .
عرض التعليقات
تحميل المزيد