حينما بدأت شرارة الثورة السورية في درعا في 26 فبراير 2011، كانت كالنبتة الصغيرة التي تحتاج إلى قطرات من الماء لإيجاد روح تبحث عن الحياة، والارتقاء من جديد، كانت لحظات البعث الحقيقية لطفولة تُنادي على الجماهير لكي تُقاوم. فالمقاومة لنظام بشار الأسد البعثي/ الطائفي هي فرض عين، بل أراها من أركان الإيمان. حيث كلمة الحق التي ينطق بها المرء أمام الطاغية في لحظات الضيق والغضب. وكانت الانطلاقة في 15 مارس 2011 استجابةً لدعوات تشجيعية/ تحريضية للتظاهر، وذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أسقطت نظام الاستغلال والاستبداد المُباركي في مصر. وكان الهدف من هكذا تظاهر، هو إيجاد طريق جديدة، طريق واعدة، طريق باعثة على الأمل في عهد الضلال الأسدي.

ولكن دائمًا ما تكون الرياح هي الحائل أمام تحقيق الأهداف. حيث استخدم النظام السوري أبشع أنواع القمع والقهر والقتل والاعتقال والتنكيل. وعليه ازدادت رغبة الجماهير الصادقة في إنهاء عُصبة دراكولا المُتمثّلة في «قمع بعثي/ علوى، الحاضنة الإيرانية للنظام، ميليشيات حزب الله حليف البعث السوري، والتي تسكن كالأشباح في قبور لبنان الجريح».

كانت هبّة ملحمية رائعة، حين يخرج الشعب السوري فاضحًا لتحالف طائفي استغلالي كريه. هكذا تحالف ألقى بسوريا على أرصفة التاريخ الإنساني. هذا التحالف المشؤوم تاجر بمنتهى الوضاعة بالممانعة والمقاومة، وهو من أضاع الممانعة والمقاومة. ألم يقتل حافظ الأسد المقاومة الفلسطينية في تل الزعتر في منتصف السبعينيات؟ ألم تتعاون إيران الخميني مع إسرائيل عسكريًّا؟ ألم ينفذ حزب الله أجندة إيرانية في حرب تموز، والتي كانت تهدف لإبعاد الأمريكيين عن مشروعها النووي؟ ألم يُساهم بشار الأسد والملالي في طهران في قطع كُل جسور التواصل بين الفرقاء الفلسطينيين، وذلك بتعميق الانقسام الدموي في فلسطين بين فتح وحماس؟ وبالفعل استغل النظام هذا الحِراك الشعبي المتصاعد، وأكّد أن ما يحدث على الأراضي السورية ما هي إلا مؤامرة مُحكمة للقضاء على محور المُمانعة! وخرجت بيانات رسمية من الحكومة السورية، تؤكد أن التحالف الصهيوأمريكي يقود حرب كونيّة ضد سوريا، حيث إن سوريا هي بوابة الشرق.

ولكن الجموع تزداد في الشوارع، في حماة واللاذقية والمزة والقابون ودوما والزبداني وداريا وغيرها من مناطق ريف دمشق الصامد. وبدأت كُرات الجليد تعصف بأصنام القمع المُشتعلة. وللأسف ظهرت خفافيش الموت، وهي تدُك حصون الثورة برايات سوداء تحمل لفظ الجلالة. كان الحشد الطائفي القادم من صحراء الخليج، يعبث بعقول الشباب السوري المكافح، وبدأت أصوات ترتفع، وهي تحمل نعرات طائفية قميئة، مُنادية بمواجهة الطائفة العلوية وجيش بشار الدموي الصفوي، ودُفعت أموال طائلة من أجل عسكرة الثورة السورية.

ولعبت دول إقليمية وعربية دورًا بشعًا في حرق الشعب وتحطيم الأمل في التغيير. فهذه الدول تحمل لواء الدفاع عن أهل السُنة والجماعة من أخطار التشيع. ولم يتجرأ أحد من هؤلاء القوم، أن يُناهض فكريًّا أي ملمح استبدادي أو انتهازي داخل طبقات الحُكم في الخليج، أو حتى رفع شعارات تحريضية على الجهاد ضد الكيان الصهيوني الغاشم. إنه فكر وهابي صحراوي، يؤمن بالهيمنة الطبقية استنادًا لمراجع فقهية قديمة. فالخروج على الحاكم باطل، والملكية الفردية هي السائدة. وهذا بالتأكيد مُطابق للطبيعة القبلية التي تعيش فيها تلك البلدان. ولا يليق أن نصف هكذا تطرف أو رجعية بالإسلام، فالمُسلمون في الماضي رغم ارتكابهم أخطاءً فادحةً ضد الآخر، إلا أنهم نجحوا في فهم الفلسفة، بل أضافوا رؤى فلسفية جديدة، وبرعوا في علوم متنوعة وفنون عديدة.

أما الوهابيون، فلله الأمر من قبل ومن بعد. فالصدمة كانت شديدة، حينما ترى عدنان العرعور السلفي، وهو يتوسل إلى الناس للنزول، انتقامًا من عُصبة دراكولا البعثية، التي ارتكبت مجزرة حماة في عام 1982. ولهذا السبب شعرت أن الثورة ستتحول إلى احتراب أهلي، سيستثمره النظام بمزيد من القتل والتدمير والتشريد. وجاءت الطامة الكُبرى، حيث فتحت تُركيا حدودها، لتمرير أكبر عملية إدخال ميليشيات في التاريخ الحديث، مدعومة بأموال قطرية وسعودية، وبأسلحة كرواتية أوكرانية من مخلفات دول الاتحاد السوفيتي المنهار كمدًا في بداية التسعينيات.

وبالتأكيد تطورت الأمور، وتم خلق دعم سياسي من الولايات المتحدة للميليشيات المُسلحة، التي تقطع الرقاب وهي تقول الله أكبر، في مشهد مُبتذل ومؤسف. وبدأ السلاح الأمريكي يدخل من الشمال السوري، وتلقى الجيش السوري ضربات متتالية أفقدته اتزانه، فلجأ لحلفائه المعروفين، فبدأت أفواج عناصر حزب الله تأتي للأراضي السورية؛ دفاعًا عن النظام السوري، الذى يضمن لحزب الله التمويل والدعم الإستراتيجي ضد مجموعة 14 آذار وسمير جعجع.

وبدأت إيران تُرسل قاسم سُليماني وبعض العناصر الثورية، من أجل مواجهة السعودية «العدو المركزي لطهران». حتى العناصر الفلسطينية داخل المخيمات، انقسمت انقسامًا شديدًا. ودخلت إلى العراق ميليشيات شيعية دعمًا لبشار وجنوده، ودحرًا للوهابية التي تقتل وتحرق وتنهب. والبراميل المتفجرة تقتل الشعب يوميًّا، والاشتباكات في كل المدن والبلدات مستمرة حتى الآن، وماتت ثورة أرادها الشعب انتصارًا، وحولتها الأجندات الأمريكية والإيرانية إلى هزيمة كاسحة للحُلم المُبهر، الذي انتظرته الجماهير كثيرًا.

حتى روسيا وضعت لها قدمًا في هذا الوحل، والهدف معروف طبعًا. وهو نقل الصراع مع الولايات المُتحدة من شبه جزيرة القرم إلى الشرق الأوسط على أعتاب طرطوس السورية «الروسية السيطرة».

تحدثت كثيرًا مع بعض السوريين المحسوبين على نظام بشار الاسد، وتناقشت معهم بخصوص الدمار الشامل والدور التركي القذر، والتواجد الروسي المشبوه. فكانت الردود تقليدية جدًّا، وهي أن التحالف «الدولي» يُريد إنهاء وجود سوريا الدولة، ويسعى لخلق سوريا الطوائف، وأن التواجد الروسي أمر طبيعي خصوصًا ونحن نواجه مخاطر كبيرة، وتشريد لملايين السوريين، والتوغلات الأخيرة للأتراك في العمق السوري، وإن ما تفعله سوريا يُشبه ما فعله جمال عبد الناصر في استدعائه لعشرات الآلاف من الروس إبّان حرب 1967.

فهذه الردود تؤكد أن عقلية البعث لن تتغير، ودائمًا تُقدّس تجارب الماضي التي فشلت في تحقيق أي انتصار عسكري حقيقي. فكل هذا لا يعنيني، لأن ما يعنيني هو الشعب السوري الذى ينزف ويغرق ويُحرق أطفاله بحمض الكبريتيك المُركّز. فثقتي بالله أن الشعب السوري سيعود إلى أرضه، بدون داعش وبدون بعث صفوي. وثقتي أن السماوات الملتهبة في سوريا ستكون بردًا وسلامًا على السوريين، ولكن على الجميع أن يُنقذ هذا البلد من التفتيت والاحتلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد