الحربُ هي كذبتنا الصادقة، وبراهينُ صدقها من دمٍ وركام.

هي وجع السنين في أعمارنا، هي ألقابُنا الفخريّة في محافل الاغتراب المذيَّلة بلقب لاجئ، هي جوازاتُ سفرنا التي لا تحملنا إلى مكان، ولا حتى تعيدنا إلى ساحاتها، هي أسماءُ أطفالٍ ولدوا بلا قيودٍ رسميَّةٍ، وإنما بقيودٍ حديديةٍ تشدُّ وثاق خيمةٍ تتوسَّدُ العراء.

هي خجلُ نيسان كل عام حين يمرُّ بنا أوله ولا يُوصلنا إلى آخرها.

لسنا سُذّجًا، بل إننا أكثر واقعيةً مما يجب للعيش في واقٍع گهذا، لكن بشاعةُ الحرب جعلتنا نلجأ للأساطير ونشتهي أن تصبح واقعًا، كأن نستفيق في أول نيسان ونرى ورود آذار قد تفتّحت على خدِّ الوطن، والجراح قد مرَّت عليها يدٌ ملائكيةٌ فالتأمت كما الحلم.

وحدود الوطن توضَّأت بدموع العائدين، والغيم عانق بعضه بعضًا، وبكى فرحًا غسل شوارع الياسمين من آثار الحاقدين. والصدى قد أعادَ صوتَ كل أمٍّ قطعت حِبالها وهي تنادي، فرجعَ الصوتُ والابن، وكل دُميةٍ تحت الأنقاض نهضت وأعادت للطفل يدهُ التي تبرّعَ بها للحرب، وذاك الأب المنتظر بين الموت والحياة أخبروه أن ابنه قد ذهب ليستجمَّ على شاطئ الغياب، لذلك مضت سنوات وهاتفه خارج خدمة الوطن.

والأبنية الجميلة التي خرَّت ساجدةً لوجه ربها استقامت وحمدت الله حمدًا كثيرًا طيبًا، وأطفال الحي فتحوا عيونهم بعد لعبة غُمّيضة ووجدوا أن عددهم لم ينقص من زيدٍ وعُمر، وأهلهم عادوا محمَّلين بالهدايا، وكأنهم كانوا في رحلةٍ برفقة بابا نويل، حتى الأعياد عادت معتذرةً عن الغياب و مرت على كل مدينةٍ لم تُقبّل وجهها بعد صلاةِ عيدٍ لم يعد عليها بفرح.

وكل المطارات التي أُغلقت في وجهنا ازدحمت بالعائدين والحاملين حقائب الشوقِ على ظهرِ الغياب، ومن لم تتسع لهم الطائرات استعاروا أجنحتها وطاروا إلى مسقطِ القلب، هم وحدهم يعرفون أن السنين لا تُعدّ بالأيام، وإنما بالخيبات وكل فرح مرَّ بهم ناقصًا، خبأوه في جُيوب الروح ليكتملَ مشهدُ الفرح برشّةِ ترابٍ من تلك الأرض.

كذلك مقاعدُ الدراسة توقّفت عن النَّحيب على غائبيها لتتركَ على وجهها فراغًا للذكريات وأسماء من تخلّفوا عنها لسنوات، واستقبلت بكل حُب أيديهم لتشدّ مساميرَ شوقها التي انحلّت وصَدِئت من الانتظار.

والطرقات لم تحتفل يومًا بجنائز الشباب وإنما كانت تحتفل بأعراسهم، والفساتين البيضاء المعلقة على مشاجب الانتظار تزيَّنت بالياسمين، والعرائس على الشرفات تلوّح لهم وتنثر الورود احتفالًا.

والشاشات لم تتقيَّأ يومًا قيحَ جراحنا ودماء أبنائنا، حتى نشرات الأخبار أسقطت اسم بلادنا المخضب بالأحمر من شريطها، والخبر العاجل لم يكن شهداؤنا أبطاله في كل دقيقة وإحصائياته لسنا تعدادها.

وتلك البحار التي اقترضت نصف من سافروا بأمواجها أعادتهم إلى شاطئ الوطن گأنها أخذتهم بجولةٍ في بطن الحوت وتركتهم يبنون قصور أحلامهم على الرمل ويقسمون بأنهم لن يُبللوا بعد اليوم بمائها أقدامهم.

لن يقطعوا بعد اليوم شريط حدودهم إلا ليهدوا سلال الورد والياسمين لمن أحسن استقبالهم، ويعودوا ليفرشوا ما تبقى في سلالهم لمن لم يُحسن ضيافتهم.

كم كذبةً نحتاج يا نيسان! لنمحو آثارَ يد الحرب عن جبين البلاد، ونرى شهداءه قد عادوا من الثغورِ التي تُصوّب بارودها نحو من باعوهم، وتعطي ظهرها للبلاد لتردَّ عن قلب مدينتنا حتى فوارغَ الرصاص.

ليت كل ما حلَّ من خرابٍ كان كذبة نيسان، ونصافح في ثاني أيامه ربيعنا المنتظر، ونرى شبح الموت قد ودَّع الأحياء، تاركًا مكانه طيف فرحٍ يرقص في الأزقَّة ويقهر الأعداء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد